الخميس 23 يوليو 2026 12:38 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

ضاحي عمار يكتب: حين تتبدل البوصلة من يربح خراب الأمة؟

الكاتب الكبير ضاحي عمار
الكاتب الكبير ضاحي عمار

لم يعد المشهد في الشرق الأوسط يحتمل المزيد من الشعارات الجوفاء أو الروايات الجاهزة التي تُلقى على مسامع الشعوب صباح مساء. فمنذ أكثر من عقدين، والمنطقة تنزف دمًا وخرابًا وتشردًا، بينما تتغير العناوين ويبقى المشهد واحدًا: أوطان تتهاوى، وشعوب تدفع الثمن، وقوى خارجية توسع نفوذها على أنقاض العواصم العربية.
العراق لم يسقط في ساعات، بل سبق سقوطه سنوات من التمهيد السياسي والإعلامي والتحالفات التي فتحت الأبواب أمام الغزو الأمريكي، لتنتهي دولة كانت إحدى ركائز المشرق العربي إلى ساحة للفوضى والانقسام والإرهاب. وبعد كل ذلك، جرى البحث عن شماعة جديدة تعلق عليها المأساة، وكأن التاريخ بدأ بعد سقوط بغداد، لا قبله.
وفي أفغانستان، امتدت الحرب سنوات طويلة، وأزهقت أرواح مئات الآلاف، وتحولت دولة بأكملها إلى مسرح لصراع القوى الكبرى. أما في اليمن، فقد تحولت الأزمة السياسية إلى حرب مدمرة دفعت ثمنها المدن والأطفال والبنية التحتية، بينما ظلت الحسابات الإقليمية والدولية تتقدم على مصلحة الشعب اليمني.
وفي السودان، ما زال النزيف مستمرًا، وفي ليبيا لم تستعد الدولة عافيتها كاملة، أما غزة، فقد تحولت إلى عنوان لأكبر مأساة إنسانية يشهدها العالم المعاصر، وسط عجز دولي وانقسام إقليمي، بينما يظل المدنيون وحدهم من يدفعون الثمن.
إن أخطر ما أصاب منطقتنا ليس السلاح وحده، بل تغييب العقل، وتحويل الرأي العام إلى ساحة للاستقطاب، بحيث يصبح كل من يطرح سؤالًا متهمًا، وكل من يبحث عن الحقيقة خارج الرواية السائدة موضع تشكيك.
وليس من الحكمة أن تُختزل كل أزمات المنطقة في دولة واحدة، كما أنه ليس من الإنصاف إعفاء أي طرف من مسؤوليته. فلكل دولة حساباتها، ولكل قوة إقليمية أو دولية مصالحها، لكن المؤكد أن الشعوب العربية هي الخاسر الأكبر من استمرار هذا الصراع المفتوح.
وسط هذه العواصف، بقيت مصر تمثل حالة مختلفة. فقد واجهت خلال السنوات الماضية تحديات غير مسبوقة، ومحاولات استهدفت استقرارها ومؤسساتها ووحدة شعبها، إلا أن وعي المصريين، وتماسك مؤسسات الدولة، وتمسكهم بفكرة الدولة الوطنية، حال دون انزلاق البلاد إلى الفوضى التي عصفت بدول أخرى. لقد أثبتت التجربة أن إسقاط الدول أسهل كثيرًا من إعادة بنائها، وأن الحفاظ على الوطن مسؤولية تتجاوز الخلافات السياسية والظروف الاقتصادية.
إن المنطقة لا تحتاج إلى مزيد من الاصطفافات العمياء، ولا إلى تبادل الاتهامات، بل تحتاج إلى مراجعة شجاعة تعترف بالأخطاء، وتضع مصلحة الشعوب فوق حسابات النفوذ. فالتاريخ لا يرحم، والأجيال القادمة لن تسأل من كان أكثر صخبًا في الخطاب، بل ستسأل: من حافظ على وطنه؟ ومن جنّب شعبه ويلات الفوضى؟
لقد آن الأوان لأن يكون الانحياز الأول للدولة الوطنية، وللشعوب التي أنهكتها الحروب، وللحقائق التي تثبتها الوقائع لا الشعارات. فالأمم لا تُبنى بالتحريض، ولا تستعيد مكانتها بتبادل الاتهامات، وإنما تبنى بالوعي، وبالقدرة على قراءة التاريخ كما هو، لا كما يراد له أن يُكتب.

ضاحي عمار حين تتبدل البوصلة من يربح خراب الأمة؟ الجارديان المصريه