الخميس 23 يوليو 2026 06:31 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الكاتب الكبير فرحات جنيدي يكتب: من يستحق وزارة الثقافة؟ (13)..محمد صبحي..حين يصبح المسرح مشروعًا لبناء الإنسان

الكاتب الكبير فرحات جنيدي
الكاتب الكبير فرحات جنيدي

حين بدأت هذه السلسلة، لم أكن أبحث عن وزير.
كنت أبحث عن فكرة.
عن مشروع.
عن شخصية تستطيع أن تعيد للثقافة المصرية مكانتها، وأن تؤمن بأن بناء الإنسان يسبق بناء المؤسسات.
ولهذا تنقلت بين مدارس متعددة.
الفنان...
والمؤرخ...
والاقتصادي...
والأكاديمي...
والناقد...
والروائي...
وصانع السياسات...
ورجل الإدارة الثقافية.
واليوم...
أقف أمام اسمٍ لا يمكن أن يمر في تاريخ الثقافة المصرية مرورًا عابرًا.
اسمٍ استطاع أن يصنع لنفسه مدرسةً كاملة، لا في التمثيل وحده، ولا في المسرح وحده، وإنما في مفهوم الثقافة ذاته.
إنه الفنان الكبير محمد صبحي.
هناك فنانون يحققون النجاح.
وهناك فنانون يصنعون النجومية.
لكن محمد صبحي اختار طريقًا أكثر صعوبة...
أن يصنع مشروعًا.
منذ بداياته، لم يكن المسرح بالنسبة إليه مجرد خشبة وستارة وجمهور.
كان معملًا لتكوين الوعي.
وكان يرى أن الضحكة الحقيقية ليست تلك التي تنتهي بانتهاء العرض، بل التي تدفع الإنسان إلى التفكير بعد أن يغادر مقعده.
ولهذا جاءت أعماله تحمل فكرة قبل أن تحمل نكتة.
وتطرح سؤالًا قبل أن تقدم إجابة.
وتنحاز إلى العقل قبل أن تنحاز إلى التصفيق.
من شاهد "تخاريف" أو "وجهة نظر" أو "الهمجي" أو "كارمن" أو "ماما أمريكا" أو "خيبتنا" أو غيرها، يدرك أنه أمام فنان لم يكن يكتفي بإمتاع الجمهور، بل كان يحاوره، ويستفزه، ويدفعه إلى مراجعة نفسه ومجتمعه.
ولعل هذه هي الوظيفة الأسمى للفن.
لكن تجربة محمد صبحي لا تتوقف عند المسرح.
فالرجل أسس مدينة للإبداع، وآمن بأن اكتشاف المواهب مسؤولية، لا هواية.
احتضن عشرات الفنانين الشباب، ومنحهم الفرصة قبل أن يعرفهم الجمهور.
وكان يؤمن بأن الفنان الحقيقي لا يورث أبناءه الشهرة...
بل يورث وطنه أجيالًا جديدة من المبدعين.
وهذه رؤية نادرة.
ولعل ما يميز محمد صبحي أكثر من غيره، أنه ظل وفيًا لفكرته.
في زمن تغيرت فيه حسابات السوق، بقي متمسكًا بمسرح يرفض الابتذال.
وفي زمن أصبحت فيه الأرقام هي المعيار، ظل يردد أن قيمة الفن لا تُقاس بعدد التذاكر، بل بالأثر الذي يتركه في الإنسان.
وقد يختلف البعض مع بعض آرائه.
وقد يختلف آخرون مع بعض مواقفه.
وهذا أمر طبيعي مع كل شخصية عامة.
لكن ما يصعب الاختلاف عليه، أن محمد صبحي لم يكن يومًا فنانًا عابرًا.
بل كان صاحب رؤية ثقافية متكاملة.
ولو تأملنا وزارة الثقافة اليوم، لوجدنا أنها لا تحتاج فقط إلى إداري بارع.
ولا إلى فنان مشهور.
بل إلى شخصية تؤمن بأن الثقافة مشروع وطني طويل المدى.
وأن المسرح، والسينما، والموسيقى، والكتاب، والفنون، ليست قطاعات منفصلة، وإنما روافد تصب جميعها في بناء الإنسان.
وهذه الفلسفة عاشها محمد صبحي طوال مسيرته.
لقد أثبت أن المسرح يمكن أن يكون مدرسة.
وأن الفنان يمكن أن يكون معلمًا.
وأن الثقافة ليست رفاهية، بل أمن قومي.
ومن هنا، فإن طرح اسمه في هذا الحوار ليس لأنه ممثل كبير فقط.
ولا لأنه مخرج ناجح فقط.
ولا لأنه صاحب تاريخ طويل فقط.
بل لأنه أحد القلائل الذين امتلكوا مشروعًا ثقافيًا واضح المعالم، ودافعوا عنه لعقود كاملة، مهما تغيرت الظروف.
لقد حاولت في هذه السلسلة أن أطرح أسماء مختلفة، لأنني أؤمن أن مصر لا تعاني من ندرة الكفاءات، وإنما تحتاج إلى حسن الاختيار.
واليوم، مع محمد صبحي، أصل إلى واحد من أكثر الأسماء تأثيرًا في وجدان أجيال كاملة، وإلى نموذج يثبت أن الفن حين يقترن بالفكر، يصبح أحد أعظم أدوات بناء الأمم.
لكن الرحلة لم تنتهِ بعد...
ففي المقال القادم، سأقف أمام شخصية من طراز مختلف.
رجل لا يعرف دهاليز المسرح فقط، ولا أروقة الجامعة وحدها، بل يعرف تفاصيل المؤسسة الثقافية من الداخل، وعاش سنوات طويلة بين ملفاتها، مؤمنًا بأن إصلاح الثقافة يبدأ من فهم بنيتها، وأن الإدارة الواعية قد تكون أحيانًا بنفس أهمية الإبداع نفسه.
فمن يكون هذا الاسم؟
انتظروا المقال القادم من سلسلة
من يستحق وزارة الثقافة؟.
#فرحات_جنيدي

الكاتب الكبير فرحات جنيدي من يستحق وزارة الثقافة؟ محمد صبحي... حين يصبح المسرح مشروعًا لبناء الإنسان الجارديان المصريه