الجمعة 24 يوليو 2026 03:39 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

سماح عزام تكتب: الواسطة.....وجرح لا يلتئم...

الكاتبة الكبيرة سماح عزام
الكاتبة الكبيرة سماح عزام

الواسطة… الفساد الذي لا يُكتب في التقارير لكنه يهدم المؤسسات .في كل دولة تطمح إلى التقدم، تُعدّ المناصب القيادية حجر الزاوية في بناء المؤسسات، لأنها المساحة التي تتحول فيها الرؤية إلى قرار، والقرار إلى أثر. غير أن أخطر ما يهدد هذه المساحة ليس الفساد المالي وحده، بل فساد الاختيار، حين تُمنح القيادة لا على أساس الكفاءة، بل على أساس العلاقات. في مصر، كما في كثير من الدول النامية، ما زالت الواسطة تمارس دورًا خفيًا لكنه حاسم في تشكيل القيادات الإدارية، عبر قطاعات متعددة: التعليم ، الصحة، الإدارة المحلية، الشركات، وحتى بعض مؤسسات القطاع الخاص. هي ليست ظاهرة عشوائية، بل نمطًا متكررًا أعاد تشكيل الثقافة المهنية، وأعاد تعريف النجاح بطريقة مقلقة. منطق مقلوب ،غالبا ما تبرز الواسطة باعتبارات تبدو عقلانية ظاهرياً "هذا الشخص مضمون"..." نحن نعرفه " ........"لا نريد مشاكل" ،لكن الحقيقه ان هذه التبريرات تخفي خوفا عميقا من الكفاءه ذاتها فالشخص الكفء لا يطلب الحمايه ولا يقبل التسويات ولا يدير الامور بالحد الادنى وهذا ما يجعل وجوده مقلقا لمن وصلوا الى مواقعهم دون استحقاق حقيقي .
وهكذا، تتحول المؤسسات إلى كيانات تخشى التغيير، وتكافئ الطاعة، وتُقصي التفكير النقدي، حتى تصبح عاجزة عن التطور، مهما توفرت لها الموارد.
في مؤسسة خدمية كبيرة، تم تعيين مدير جديد بناءً على توصيات شخصية، رغم وجود مرشحين أكثر خبرة وتأهيلًا.
في العام الأول: ارتفعت معدلات الشكاوى ،تاخرت القرارات ، غادر عدد من الكفاءات الشابة. لم يكن المدير فاسدًا بالمعنى التقليدي، لكنه كان غير مؤهل.وهنا تتجلى خطورة الواسطة: هي لا تاتي دائما بالفاسدين ، لكنها تاتي بغير القادرين ،وهذا كاف لهدم اي مؤسسة .
الواسطة والعدالة الاجتماعية: أزمة ثقة لا أزمة وظائف
الواسطة لا تخلق فقط خللًا إداريًا، بل تُحدث شرخًا عميقًا في الثقة بين المواطن والمؤسسة. حين يشعر الناس ان الفرص لا تمنح بعدالة يفقد العمل معناه ويتحول الاجتهاد الى خيار ساذج لا إلى قيمة . وهنا لا يصبح السؤال كيف نحسن الاداء ،بل كيف ننجو داخل المنظومة ،وهذا هو أخطر تحول يمكن أن يصيب أي مجتمع . القيادة ليست امتيازا اجتماعيا ،بل مسؤولية عامة ، والمنصب القيادي لا يقاس بلقبه ،بل بقدرة شاغله على اتخاذ قرارات صعبة ، حماية الكفاءات ،بناء صف ثاني وثالث ،وتحمل المحاسبة .القائد الذي جاء بالواسطة يفتقد هذه الشجاعة، لأنه يعرف أن موقعه هش، وأن بقاءه مرهون بعلاقات لا بإنجازات . ومن هنا يأتي ضعف التنافسية ،تجمد الإبداع ،احضار المواردالبشرية، انتاج قيادات تدير الوقت الى المستقبل .
الدول التي تقدمت لم تفعل ذلك لأنها خالية من العلاقات، بل لأنها فصلت العلاقة عن القرار، وربطت المنصب بالمعيار، لا بالاسم.
إلى صُنّاع القرار في مصر : والنبي تسمعوا.....إن أخطر ما يمكن أن تواجهه دولة لا يكمن في نقص الموارد، بل في سوء اختيار من يديرها ، الواسطة ليست مسألة أخلاقية فقط ، بل مسالة أمن مؤسسي ،ومستقبل وطني ، من الدرجة الأولى ،ان كنتم تريدون مؤسسات قوية اربطوا المنصب بالمسار لا بالمعرفة ،واجعلوا معايير الاختيار معلنة لا سرية ، وحاسبوا القيادات على الأداء لا الولاء ، لأن الدول لا تنهض بمن نعرفهم .بل بمن يعرفون ماذا يفعلون ،والتاريخ كما الادارة لا يعترف بالمجاملات الا بالنتائج .ج

سماح عزام الواسطة.....وجرح لا يلتئم الجارديان المصريه