الجمعة 24 يوليو 2026 03:39 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

د. ماجده عبدالحي تكتب: الشيخوخة النفسية.. حين يسبق تعب الروح عمر الجسد

د. ماجده عبدالحي
د. ماجده عبدالحي

قد يكون الإنسان في العشرينات أو الثلاثينات من عمره، لكنه يشعر وكأنه عاش عمرًا أطول بكثير من سنواته. يستيقظ كل صباح مثقلًا دون سبب واضح، يفقد شغفه بالأشياء التي أحبها يومًا، ويجد نفسه ينظر إلى الحياة بعينٍ أرهقها الانتظار، بينما يرى من هم في مثل عمره يركضون خلف أحلامهم بحماس.

إنها حالة يصفها الكثيرون بـ “الشيخوخة النفسية”؛ ذلك الشعور الذي يجعل الروح تبدو أكبر من عمر الجسد. ورغم أن هذا المصطلح ليس تشخيصًا طبيًا مستقلًا، فإنه يعبر عن حالة من الإرهاق النفسي والاستنزاف العاطفي الناتج عن التعرض المستمر للضغوط والصدمات والإحباطات، حتى يفقد الإنسان إحساسه بالحياة قبل أن يفقد سنوات عمره.

فالضغوط النفسية المتراكمة لا تؤثر على المشاعر فقط، بل تمتد آثارها إلى التفكير والسلوك والجسد أيضًا. فقد يعاني الإنسان من ضعف الدافعية، واضطرابات النوم، وصعوبة التركيز، والتوتر المستمر، وقد يشعر أن أبسط المهام أصبحت تحتاج إلى جهد يفوق طاقته.

وربما يكون أصعب ما في الأمر أن هذه المعاناة لا تُرى بالعين. فقد يبتسم الإنسان ويؤدي عمله بصورة طبيعية، بينما يخوض بداخله معركة صامتة لا يعلم عنها أحد. لذلك لا ينبغي أن نحكم على الأشخاص من مظهرهم، فليس كل من يبدو بخير يعيش سلامًا داخليًا.

ومن أكثر الأخطاء التي تزيد من هذا الشعور، المقارنة المستمرة بالآخرين. فحين يرى الإنسان أصدقاءه يحققون الإنجازات، ويبدأون مشاريع جديدة، ويخططون للمستقبل، قد يشعر بأنه تأخر عن الجميع، وأن العمر مر سريعًا، بينما الحقيقة أن لكل إنسان رحلته الخاصة، وظروفه المختلفة، وتوقيته الذي لا يشبه أحدًا.

ولعل الكاتب الراحل الدكتور أحمد خالد توفيق عبّر عن هذا الإحساس بكلمات لامست قلوب الكثيرين حين قال:

“يرى الإنسان نفسه عجوزًا حينما ينظر لأشخاص من نفس عمره يتراكضون في ربيع الحياة يملؤهم الشغف، وهو منطفئ… منطفئ جدًا.”

لكن الانطفاء النفسي لا يعني أن الإنسان انتهى، ولا أنه أصبح عاجزًا عن استكمال طريقه. إنه يعني فقط أنه حمل على عاتقه ما يفوق قدرته لفترة طويلة، حتى أصبحت روحه في حاجة إلى التوقف، وإعادة ترتيب أولوياتها، واستعادة توازنها النفسي.

ومن هنا تأتي أهمية العناية بالصحة النفسية، ليس باعتبارها رفاهية، بل ضرورة لا تقل أهمية عن الاهتمام بالصحة الجسدية. فالاعتراف بالتعب ليس ضعفًا، وطلب المساندة النفسية ليس عيبًا، بل خطوة شجاعة نحو التعافي.

كما أن منح النفس فرصة للراحة، والابتعاد عن جلد الذات، والتوقف عن مقارنة حياتنا بحياة الآخرين، والعودة تدريجيًا إلى ممارسة الأنشطة التي تمنحنا الشعور بالرضا، كلها خطوات تساعد الإنسان على استعادة شغفه وقدرته على الاستمرار.

إن التعافي النفسي لا يحدث بين ليلة وضحاها، لكنه يبدأ بقرار صادق بأن نكون أكثر رحمة بأنفسنا، وأكثر وعيًا باحتياجاتنا النفسية. فليس مطلوبًا منك أن تكون قويًا طوال الوقت، ولكن المطلوب ألا تتخلى عن نفسك عندما تتعب.

وفي النهاية… تذكر أن الروح قد تُرهق، لكنها لا تفقد قدرتها على التعافي. وما يبدو اليوم نهاية للطريق، قد يكون في الحقيقة بداية جديدة، إذا منحت نفسك الوقت، والاهتمام، الواقع الإنساني.

“قد يسبق التعب أعمارنا… لكنه لا يملك أن يسرق مستقبلنا، ما دمنا نملك الشجاعة لنبدأ التعافي "

ماجده عبدالحي الشيخوخة النفسية.. حين يسبق تعب الروح عمر الجسد الجارديان المصريه