الجمعة 24 يوليو 2026 05:15 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

ياسر إبراهيم عبيدو يكتب: أزمة الأخلاق والوافدون.. بين حماية الأمن القومي ومقتضيات الرصانة الوطنية

الكاتب الصحفي الكبير ياسر إبراهيم عبيدو
الكاتب الصحفي الكبير ياسر إبراهيم عبيدو

​يمر الشارع المصري في الآونة الأخيرة بتغيرات سلوكية وأخلاقية متسارعة، أثارت القلق والتساؤلات في نفوس الكثيرين حول الأسباب والمسببات. ومع التغيرات الديموغرافية والجيوسياسية المتلاحقة في المنطقة، وتزايد أعداد الوافدين والأشقاء من جنسيات مختلفة—وفي مقدمتهم الأشقاء من السودان نتيجة الظروف القاسية التي مر بها بلدهم—برزت إلى السطح نقاشات جادة حول أثر هذا الوجود على الأمن المجتمعي، والنسيج الأخلاقي، والسكينة العامة التي طالما تميز بها الشارع المصري.
​إن قراءة هذه الظاهرة تتطلب منا التوازن بين قيمنا الأصولية والدينية، وبين مقتضيات الأمن القومي العليمة بالحفاظ على أمن الوطن واستقراره.
​أولاً: التحدي الأخلاقي والأمني.. تشخيص الواقع
​لا يمكن إنكار أن الشارع المصري شهد مظاهر من الانفلات السلوكي والحوادث الغريبة على قيم المروءة والشهامة المصرية. غير أن المنظور الصحفي والتحليلي المنصف يقتضي تفكيك المشكلة إلى مستويين:
​المستوى الداخلي: تراجع بعض الأدوار التربوية والمؤسسية في الضبط السلوكي، مما أوجد فراغاً أخلاقياً أتاح لبعض الظواهر السلبية الظهور.
​المستوى الوافد: التدفق المفاجئ والأعداد الكبيرة من ضيوف مصر، والتي فرضت ضغوطاً إضافية على الخدمات، وأدت في بعض الأحيان إلى احتكاكات وثقافات وافدة لا تتوافق كلياً مع طبيعة الشارع المصري، فضلاً عن بروز حوادث فردية أخلّت بالأمن المتنقل وتسببت في حالة من التوجس الاجتماعي.
​ثانياً: الاستدلال الديني والرؤية المقاصدية
​إن الدين الإسلامي الحنيف، بشريعته السمحة، وضع مقاصد كبرى لحفظ المجتمع؛ وفي مقدمتها حفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ المال، وحفظ النسل، وحفظ الدين.
​من هذا المنطلق المقاصدي، فإن إيواء الضعيف والمحتاج مكرمة وخلق إسلامي أصيل، استناداً لقوله تعالى:
​﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ (التوبة: 6)
​ولكن في الوقت نفسه، فإن هذا الإيواء والضيافة مقيدان بشرط لا يقبل التهاون، وهو عدم الإضرار بالدار وأهلها؛ فالقاعدة الفقهية الكلية تؤكد أن «لا ضرر ولا ضرار»، وأن «درء المفاسد مقدم على جلب المصالح».
​فإذا كان وجود أي فئة—بغض النظر عن جنسيتها—سيؤدي إلى إحداث فتنة أو انعدام أمن أو تهديد للسكينة العامة، فإن ولي الأمر والمؤسسات الوطنية ملزمة شرعاً وقانوناً باتخاذ كافة التدابير التنظيمية والاحترازية التي تحفظ على الناس أمنهم وأرواحهم وممتلكاتهم.
​ثالثاً: حلول وتدابير.. هل النموذج المغلق هو الحل؟
​طُرِحت في الآونة الأخيرة تساؤلات ومقترحات حول مدى جدوى تطبيق نماذج تنظيمية شائعة في بعض الدول المجاورة، كإقامة مدن مخصصة أو مجمعات سكنية محددة للوافدين، وضبط مسألة الإقامة والعمل بشكل حاسم.
​ولصياغة حلول متكاملة توازن بين السيادة والأمن وبين البعد الإنساني، نطرح محاور الحل التالية:
​1. تنظيم الإقامة والتوزيع الجغرافي
​إن التكدس العشوائي في أحياء سكنية بعينها يخلق بؤراً ضاغطة على البنية التحتية والأمنية. لذا فإن اتخاذ تدابير تنظيمية حازمة لضبط أماكن التواجد، وحصر الأعداد بشكل دقيق، وتطبيق قوانين الإقامة بكل حسم، يعد ضرورة ملحة لمنع أي اختراقات أمنية.
​2. الحفاظ على السيادة الوطنية وثوابت المواطنة
​إن مسألة منح الجنسية يجب أن تظل خطاً أحمر محكوماً بأعلى درجات الاشتراطات السيادية والصارمة، حمايةً للهوية المصرية ومنعاً لأي مخططات تستهدف إعادة تشكيل الخريطة الديموغرافية للمنطقة، أو تحويل مصر إلى ملاذ دائم على حساب أمنها القومي واستقرار أجيالها القادمة.
​3. التصدّي للأطماع والمخططات الخارجية
​لا ينبغي أن نغفل عن المحاولات الإقليمية والدولية لاستغلال ملف اللاجئين والوافدين كأوراق ضغط سياسي واقتصادي على الدولة المصرية. إن وعي المواطن والمسؤول بهذه الأبعاد هو حائط الصد الأول ضد أي أطماع تستهدف سلب إرادة القرار الوطني.
​4. تطبيق القانون بلا تهاون
​إن سيادة القانون هي الأساس؛ فمن يستجير بمصر عليه احترام قوانينها وأعرافها السائدة. وأي خروج عن القانون أو تسبب في إحداث قلاقل أو جرائم يجب أن يُواجه بأقصى درجات الحزم، والتي تصل إلى الترحيل الفوري، صيانةً لكرامة الشارع المصري وهيبته.
​ختامة المقال
​إن مصر كانت وستظل قلعة العرب وباب السلام، تتسع لكل قاصد بحق وإحسان. غير أن أرض الكنانة، بتاريخها ورصانتها، لا تقبل أن تُستغل مكارم أخلاقها للعبث بأمنها أو تغيير طبيعة مجتمعها الأصيل. إن حماية أمن الشارع المصري وأخلاقه ليست مجرد خيار تنظيمي، بل هي واجب وطني وديني وأخلاقي يعلو فوق كل اعتبار.

ياسر إبراهيم عبيدو أزمة الأخلاق والوافدون.. بين حماية الأمن القومي ومقتضيات الرصانة الوطنية الجارديان المصرية