دكتور علاء الحمزاوي يكتب: إنَّ رجالاً يتخوَّضون في مال الله بغير حقٍّ فلهم النارُ يومَ القيامة
ــ يتخوضون: يَتَصرَّفون فيه بالباطل، وهذا العنوان حديث نبوي جليل يحمل تحذيرا شديدا للمسلم من التصرُّف في الموارد العامة وممتلكات الدولة بغير حـق اعتقادا منه أن المال العام ليس له مالك فهو مباح لأي شخص أن ينتفع به كما يشاء، وهذا مما ابتُلِيت به الأمـة نتيجة فهم خاطئ ومنطق فاسد يخالف مقاصد الشرع من تحديد الحقوق والواجبات وتقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة وتقديم منع المفسدة على حصول المنفعة، فالمال في الإسلام نقدا أو عينا ثلاثة أنواع: مال خاص يملكه الإنسان وليس حرا في إنفاقه، ومال مؤتَمَن عليه لغيره كمال اليتيم أو مال شركاء في عمل، ومال عام ملك للمجتمع والدولة وهو حــق مشترك بين المواطنين، وقد استخلف الله الإنسان على المال بأنواعه الثلاثة، فهو مأمور بالمحافظة عليه، وقد استخلف الله الإنسان على المال بأنواعه الثلاثة، فهو مأمور بالمحافظة عليه، فقال النبي في حفظ المال الخاص: «مَن قُتِل دونَ مَالِهِ فهو شَهيدٌ» أي من دافع عن ماله حتى الموت فقد مات شهيدا في سبيل الله، وقال الله في حفظ المال الأمانة: {مَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} أي أن الوصي على مال اليتيم لا يأخذ منه شيئا مادام غنيا عنه، ولو كان فقيرا فليأخذ منه قدر حاجته، وقال في حفظ المال العام: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ}، فالمراد بالأكل الاستيلاء، والباطل الحرام بكل مظاهره كالنهب والسرقة والغش والرشوة والاختلاس والتزوير والإكراه، و{أموالكم} المال العام الذي ينتفع به الجميع؛ لأن مالَ غيرِك إذا انتفعت به كان مالَك، والمرء ينتفع بالمال العام ضمن انتفاع المجتمع به؛ لذا أُسنِد المال إلى ضمير المخاطبين للتأكيد على أن المال العام هو مال الجميع مشتركين في الانتفاع به؛ فيجب أن يحافظوا عليه.
ــ ووضع الإسلام ضوابط للحصول على المال والتصرُّف فيه بشكل عام، فحرَّم وجرَّم اكتسابه وإنفاقه بالوسائل التي تضر بالنفس أو بالآخرين أو بالدولة والمجتمع، ومن تلك الوسائل السرقة؛ قال الله: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا}، وقال في الربــا: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ}، وقال في الغُلول {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}، والغلول الخيانة بين الشركاء بأخذ شيء مما يشتركون فيه خلسة،
وقال في الغش: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ} أي الغشاشين، ومدح عباد الرحمن فقال: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا}، وقال في القِمار: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، فالميسر القمار، والأنصاب كل ما نُصِب للعبادة من دون الله كالحجارة، والأزلام السهام التي كانت مستخدَمة لمعرفة الغيب وتحديد القرارات، والرجس الشر والإثـم والمستقذر، ونهى الإسراف فقال: {وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}، ونهى عن التبذير فقال: {وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ}، وأجمل ربنا كل مظاهر الاكتساب الحرام الذي نهى عنه في قوله: {لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ}، فالباطل كلمة جامعة لكل مال محرَّم مجرَّم، كما أجمل النبي كل مظاهر الإنفاق المنهي عنه في قوله: «إنَّ الله كَرِه لكم قِيل وقَال وكَثرة السؤال وإضاعة المال»، فالمراد بــ(قيل وقال) الشائعات، و(كثرة السؤال) الإسراف في طرح أسئلة غير مفيدة، و(إضاعة المال) صرفه في غير وجه حق.
ــ وحذَّر الشرع من نهب الموارد العامة وممتلكات الغير؛ لأن ذلك ظلم للمجتمع واعتداء عليه، فقال النبي: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا»، وقال: «مَـنْ اسْتَعْمَلْنَاهُ مِنْكُمْ عَلَى عَمَلٍ فَكَتَمَنَا مِخْيَطًا فَمَا فَوْقَهُ كَانَ غُلُولًا يَأْتِي بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، مِخْيَطا: إبرة، والغُلُول الشيء المسروق المكتوم يحمله على رأسه يوم القيامة فيُفتضَح به أمام الخلائق، وقال عُمر: «لَمَّا كان يوم خَيْبر أقْبَلَ نفرٌ من صحابة النبي فقالوا: فلان شهيد وفلان شهيد، حتى مرُّوا على رجلٍ، فقالوا: فلان شهيد، فقال رسول الله: كلاَّ إني رأيْتُه في النار في بُرْدَة غَلَّها أو عَبَاءَة، ثم قال: يا ابن الخطاب اذْهَبْ فنادِ في الناس أنَّه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون، قال عمر: فَخَرَجْتُ فَنادَيْتُ: ألا إنَّه لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلَّا المُؤْمِنُونَ»، وهذا يعني أن المختلس للموارد العامة خرج عن دائرة الإيمان، وهذا ما أكده حديث «لا يَغُلُّ أحدُكم حِينَ يَغُلُّ وهو مُؤمِنٌ»، ومن صور النهب والسلب للموارد العامة التعدي على المرافق العامَّة كالحدائق والمستشفيات والمتنزهات، والتهرُّب من السداد البنكي، وسرقة الكهرباء والمياه عبر التلاعب في العداد.
ــ ويُعـدُّ خائنا آثـمـا كل من يستولي على ممتلكات الدولة والمجتمع، أو يأخذ شيئا لا حق له فيه، أو يستعمل وقت العمل في شأنه الخاص، أو يأخذ راتبا على عمل لم يؤده، أو يستغل منصبه للحصول على منفعة شخصية، أو يقبل رشوة نَظير تسهيل إجراءات، بل لا يجوز للمرء أن يأخذ هدية باستغلال وظيفته؛ فقد «استعمل النبي رجلاً على الصَّدَقة، فلمَّا جاءَ إلى رَسولِ اللَّهِ وحاسَبَهُ، قالَ: هذا الذي لَكُمْ، وهذِه هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي، فقالَ رَسولُ اللَّهِ: فَهَلَّا جَلَسْتَ في بَيْتِ أبِيكَ وبَيْتِ أُمِّكَ حتَّى تَأْتِيَكَ هَدِيَّتُكَ إنْ كُنْتَ صادِقًا؟! والذي نفسي بيده لا يأخذ أحدٌ منه شيئًا إلاَّ جاء به يومَ القيامة يَحمله على رَقَبته»، ولا يجوز أن يبرر كسبه الحرام بعبارة "الجميع يفعل ذلك"؛ لأن الله يقول: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}، أو يبرره بعبارة "هذا شيء بسيط"، فالنبي يقول: «إيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ»، فالصغيرة إذا تكررت صارت كبيرة، فإذا فعل المسلم ذلك كان عاصيا مخالفا للتوجيه الإلهي: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}، ولْيتذكر قول الله: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ}، فماذا سيقول حينئذ؟
ــ ومن ثـم يجب على مَـن استولى على شيء من الموارد العامة أن يتوب إلى الله، وأنْ يردَّه إلى مَحلِّه حتى لو سبَّب له حَرَجًا، فإنْ عجَزَ عن إرجاعه أو نتج عن إرجاعه ضرر أكبر ينفق قيمته في نفْع عام للمجتمع كالمستشفيات والمدارس والمساجد، وليتذكر قول يوسف {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}.












الداخلية تكشف حقيقة سرقة سيارة رئيس جمهورية سابق بالإسكندرية
الإفراج عن 1214 نزيلًا من المحكوم عليهم بمناسبة ذكرى ثورة 23 يوليو
إحالة المتهم بقتل ابنة زوجته بالجيزة بعد الاعتداء عليها بالضرب للمحاكمة
القبض على «بلوجر» بسبب فيديوهات للرقص بملابس خادشة لزيادة المشاهدات
أسعار الذهب اليوم الجمعة 24-7-2026 فى محلات الصاغة
سعر الدواجن اليوم الخميس في الأسواق
أسعار الدولار رسميا في مصر اليوم السبت
سعر الذهب اليوم الجمعة 17 يوليو 2026 في محلات الصاغة..