الأربعاء 5 أغسطس 2026 08:50 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

فرحات جنيدي يكتب: من يستحق وزارة الثقافة؟ حين تتحول الحضارة إلى قوة ناعمة...هل يكون الدكتور زاهي حواس هو رجل المرحلة؟

الكاتب والمفكر الكبير فرحات جنيدي
الكاتب والمفكر الكبير فرحات جنيدي

ليست وزارة الثقافة مؤسسة لإدارة الفعاليات...
وليست هيئة لتنظيم المعارض...
وليست مجرد مظلة للفنون والآداب.
وزارة الثقافة، في حقيقتها، هي الوزارة التي تتولى صياغة صورة الوطن في وعي شعبه، ثم في ذاكرة العالم.
ومن هنا، فإن السؤال لم يعد:
من يدير الوزارة؟
بل أصبح:
من يستطيع أن يجعل اسم مصر أكثر حضورًا على الخريطة الثقافية العالمية؟
وهنا، يفرض اسم الدكتور زاهي حواس نفسه، لا باعتباره عالم آثار فحسب، بل باعتباره واحدًا من أكثر الشخصيات المصرية قدرة على تحويل التاريخ إلى خطاب عالمي، والحضارة إلى قوة ناعمة، والماضي إلى مشروع للمستقبل.
لا أعرف شخصية مصرية معاصرة استطاعت أن تجعل ملايين البشر في القارات الخمس ينطقون أسماء الفراعنة، كما فعل زاهي حواس.
لقد خرج بالحضارة المصرية من قاعات الجامعات إلى شاشات التلفزيون.
ومن صفحات الكتب المتخصصة إلى عقول الناس.
ومن المتحف المغلق إلى حديث العالم.
وهذا، في حد ذاته، مشروع ثقافي كامل.
كثيرون اكتشفوا آثارًا...
لكن قليلين هم من اكتشفوا كيف يقدمون هذه الآثار إلى الإنسانية.
لقد أدرك زاهي حواس مبكرًا أن الاكتشاف الأثري لا يكتمل بالحفر...
بل يكتمل بالحكي.
وأن العالم لا يعشق الحجر...
بل يعشق القصة التي يحملها الحجر.
ولهذا تحول إلى أفضل من روى قصة الحضارة المصرية في العصر الحديث.
لم يكن يتحدث عن تمثال.
بل عن إنسان.
ولا عن مقبرة.
بل عن حضارة صنعت الإنسان.
خلال مسيرته، لم يكن مجرد مسؤول حكومي ينتظر انتهاء ساعات العمل.
بل كان سفيرًا دائمًا لمصر.
ألقى مئات المحاضرات في أكبر جامعات العالم.
وظهر في أشهر القنوات والمنصات الوثائقية.
وتحوّل إلى الاسم الأكثر ارتباطًا بالحضارة المصرية في الوعي العالمي.
حتى أصبح، بالنسبة لكثير من الأجانب، الوجه الذي يتحدث باسم التاريخ المصري.
وهذه ليست شهرة شخصية...
بل رصيد استراتيجي للدولة المصرية.
الدول الكبرى اليوم لا تقاس فقط بما تملكه من اقتصاد أو سلاح.
بل بما تملكه من قوة ناعمة.
ومصر، منذ آلاف السنين، تمتلك أعظم رصيد حضاري عرفته البشرية.
لكن هذا الرصيد يحتاج دائمًا إلى من يحسن تقديمه.
ومن الإنصاف أن نعترف بأن زاهي حواس نجح في هذه المهمة نجاحًا استثنائيًا.
لقد أعاد مصر إلى صدر المشهد الأثري العالمي.
وجعل كل اكتشاف أثري حدثًا تتناقله وكالات الأنباء.
وكل كشف جديد مناسبة ليتذكر العالم أن هذه الأرض ما زالت تخفي أسرار الحضارة.
لكن الشخصيات الكبيرة لا تصنعها الإنجازات وحدها.
بل تصنعها أيضًا قدرتها على تحمل النقد.
ولم يكن الدكتور زاهي حواس استثناءً.
فقد عاش سنوات طويلة في قلب الجدل.
واختلف معه كثيرون.
وانتقده آخرون.
ودخل معارك فكرية وإدارية وإعلامية وقانونية.
لكن اللافت أن كل هذه العواصف لم تستطع أن تلغي حقيقة واحدة...
أن اسمه ظل حاضرًا في كل نقاش يتعلق بالحضارة المصرية.
وهذه هي طبيعة الشخصيات الاستثنائية.
لا تعيش خارج الجدل...
بل تصنعه.
قد يتفق الناس مع أسلوبه...
وقد يختلفون معه.
لكن أحدًا لا يستطيع أن ينكر أن الرجل امتلك مشروعًا واضحًا.
مشروعًا يقوم على فكرة بسيطة وعميقة في آن واحد...
أن الحضارة ليست ماضيًا نتغنى به...
بل مستقبلًا نبنيه.
وأن الأثر ليس حجرًا صامتًا...
بل رسالة سياسية وثقافية واقتصادية إلى العالم.
ولو قُدِّر للدكتور زاهي حواس أن يقود وزارة الثقافة، فإنني لا أتصور أنه سيبدأ من المكاتب.
بل سيبدأ من إعادة تعريف وظيفة الثقافة نفسها.
سيجعل المتحف مؤسسة تعليمية.
والموقع الأثري منصة للحوار مع العالم.
والتراث مشروعًا اقتصاديًا.
والهوية الوطنية مصدرًا للقوة لا مجرد مادة للاحتفال.
وسيصبح السؤال الأول داخل الوزارة:
كيف نجعل العالم يتحدث عن مصر؟
وليس:
كم فعالية أقمنا هذا العام؟
إن وزارة الثقافة المصرية تحتاج اليوم إلى من يفكر خارج حدود الإدارة اليومية.
إلى من يرى في الحضارة مشروعًا قوميًّا.
وفي التاريخ صناعة.
وفي المعرفة استثمارًا.
وفي الثقافة أحد أعمدة الأمن القومي.
وهذه الرؤية، شئنا أم أبينا، حاضرة بقوة في تجربة زاهي حواس.
ولذلك...
فإنني لا أطرح اسم الدكتور زاهي حواس لأنني أبحث عن أشهر رجل في مجاله.
ولا لأنني أتجاهل ما أثير حوله من خلافات.
بل لأن الدول الكبرى لا تُدار بمن لا يختلف حولهم الناس.
بل تُدار بمن يتركون أثرًا لا يستطيع أحد إنكاره.
ومن هنا، فإن السؤال الذي أضعه أمام الرأي العام، وأمام النخبة، وأمام صانع القرار، ليس سؤالًا عن شخص...
بل عن رؤية.
هل تحتاج مصر إلى وزير يدير الثقافة... أم إلى رجل استطاع أن يجعل العالم كله يقف احترامًا أمام حضارتها؟
ربما يختلف الناس حول الإجابة...
لكن اسم الدكتور زاهي حواس سيبقى، في تقديري، واحدًا من أكثر الأسماء جدارة بأن يكون حاضرًا في هذا النقاش.
#فرحات_جنيدي

9a9d46274e89.jpg
فرحات جنيدي من يستحق وزارة الثقافة؟ حين تتحول الحضارة إلى قوة ناعمة...هل يكون الدكتور زاهي حواس هو رجل المرحلة؟ الجارديان المصريه