د. محمد هناء الدين يكتب: قبل ان نلتقي (ربما حدث بالفعل)
لم يكن اللقاء الأول يشبه البدايات التي يعرفها الناس، لم يكن هناك ذلك الحذر الخفيف ولا تلك المسافة التي يحتمي بها الغرباء حين يقتربون، بل كان الأمر أشبه بشيء يحدث للمرة الثانية دون أن يتذكر أحد متى كانت المرة الأولى. نظرت إليه، ولم تشعر بأنها تكتشفه، بل كأنها تستعيده من مكان بعيد داخلها، مكان لا يصل إليه التفكير ولا تلمسه الكلمات. وهو أيضًا لم يتعامل معها كغريبة، لم يسأل نفسه لماذا يرتاح، لأن الراحة نفسها لم تكن مفاجئة، كانت طبيعية بشكل مقلق، كأنها الحالة الأصلية التي عاد إليها بعد غياب طويل.
كان الحديث بينهما يسير بسهولة لا تُفسَّر، الجمل تخرج دون ترتيب، والضحكات تأتي دون سبب واضح، لكن خلف هذا كله كان هناك شيء أعمق، شيء لا يُقال بل يُحَس، كأن أرواحًا قديمة تعرف الطريق أسرع من العقول. في لحظات الصمت تحديدًا، حين لا يكون هناك ما يملأ الفراغ، كان الشعور يظهر أوضح، ذلك الإحساس الغريب الذي يشبه الحنين، لكن ليس لذكرى محددة، بل لشيء غير مُدرَك، شيء لم يحدث في هذه الحياة ومع ذلك يبدو حقيقيًا أكثر من أي واقع.
ومع الوقت بدأ القلق يتسلل بهدوء، ليس خوفًا من الحاضر بل من عمق هذا الإحساس. كيف يمكن لشيء أن يكون قويًا إلى هذا الحد دون سبب منطقي؟ كيف يمكن لروح أن تتعرف إلى روح أخرى بهذه السرعة، دون تاريخ، دون مقدمات؟ كانت تحاول أن تضع الأمر في إطار مفهوم، أن تسميه إعجابًا، أو راحة عابرة، لكن كل محاولة كانت تفشل أمام ذلك الإحساس الذي يرفض أن يكون بسيطًا.
وفي ليلة هادئة، حين خفتت الأصوات من حولها، خرج السؤال منها دون تخطيط، كأنه لم يُولد في تلك اللحظة بل كان ينتظرها منذ زمن طويل. سألته إن كان يشعر أنه يعرفها من قبل، ولم يكن في صوته دهشة حين أجاب، بل كان فيه يقين هادئ، يقين لا يحتاج إلى دليل. لم تكن الإجابة صادمة، بل كانت مطابقة تمامًا لما تشعر به، وهذا هو ما أخافها أكثر، لأن التشابه هنا لم يكن في التفكير بل في الإحساس، في شيء أعمق من أن يكون مصادفة.
بدأت التفاصيل الصغيرة تتكرر بطريقة لافتة، كلمات متشابهة تُقال في نفس اللحظة، أفكار تكتمل قبل أن تُنطق، أماكن تبدو مألوفة رغم أنها جديدة عليهما. لم تكن هذه إشارات واضحة، لكنها كانت كافية لتخلق شعورًا بأن هناك قصة لم تبدأ الآن، بل استُكمِلت فقط. ومع هذا الشعور جاء خوف آخر، خوف غير منطقي لكنه حقيقي، خوف من الفقد، وكأن تجربة الفقد نفسها ليست جديدة عليهما، وكأن الألم الذي لم يحدث بعد يحمل ذكرى قديمة.
لكن الواقع لم يتأخر في الحضور، جاء هادئًا وثقيلًا في نفس الوقت، يضع حدوده دون أن يتكلم. فرق العمر لم يكن مجرد رقم يُقال، بل كان حاضرًا في التفاصيل، في نظرة الناس، في الأسئلة التي لم تُطرح بعد لكنها معروفة. بدأت تشعر أن هناك طريقين يتشكلان، أحدهما صادق ومليء بالإحساس، والآخر واقعي ومليء بالشروط، ولم يكن من السهل الجمع بينهما.
صار الصراع داخليًا أكثر منه خارجيًا، لم يعد السؤال هل تحبه، بل هل يمكن أن يكون هذا الحب كافيًا أمام كل ما يعارضه. كانت تحاول أن تكون عقلانية، أن ترى الصورة كما يراها الآخرون، لكن كل مرة كانت تعود لنقطة واحدة لا تستطيع تجاوزها، أن ما تشعر به ليس عابرًا، وليس وهمًا يمكن تجاهله، بل شيء متجذر بعمق لا يُفسَّر.
أما هو، فلم يحاول أن يقنعها، لم يضغط عليها لتختار، لأنه كان يدرك أن ما بينهما لا يُبنى بالكلام ولا يُحسم بالمنطق. كان يعرف أن بعض الحقائق لا تحتاج إلى إثبات، وأن بعض الروابط لا تُخلق، بل تُكتشف. لذلك ترك المساحة مفتوحة، ليس ترددًا، بل ثقة في أن الأشياء الحقيقية تجد طريقها، سواء اجتمعت أو افترقت.
وفي أعماقها، بعيدًا عن كل صوت خارجي، كانت تعرف الحقيقة التي لا تريد أن تقولها بصوت مرتفع. تعرف أن هذا اللقاء ليس عاديًا، وأن هذا الشعور ليس وليد اللحظة، وأن هناك خيطًا غير مرئي يربط بينهما منذ زمن لا يمكن تحديده. لم تكن تملك تفسيرًا، لكنها كانت تملك إحساسًا واضحًا بأن ما يحدث أكبر من الظروف، وأعمق من القواعد.
ربما لم يكن الهدف أن ينتصرا على الواقع، وربما لم يكن المطلوب أن يكسرا كل الحواجز، بل فقط أن يفهما ما بينهما كما هو، دون إنكار أو تبسيط. أن يعترفا بأن بعض العلاقات لا تُقاس بالوقت، ولا تُحددها الفوارق الظاهرة، بل تُبنى على شيء خفي لا يراه أحد.
وفي النهاية، لم تكن القصة عن لقاء أو فراق، بل عن إدراك. إدراك أن بعض الأرواح، مهما ابتعدت، تظل تعرف طريق العودة، وأن بعض القصص لا تنتهي حين تتوقف، بل تظل ممتدة في مكان آخر، في زمن آخر، تنتظر لحظة أخرى لتُكمِل نفسها من جديد.












بقيادة الرائد معتز مرسي.. مباحث كفر صقر تنشط بقوة وتوجه ضربات أمنية...
القبض على عامل بتهمة تصوير فتاة داخل غرفة تغيير الملابس بمحل في...
ضبط زوج تعدى على زوجته بسلاح أبيض وأصابها بجرح قطعي في الوجه...
مصرع 3 أشخاص وإصابة 16 آخرين في حادثين بالشرقية اليوم
السيطرة على حريق نشب داخل مسجد في الجيزة
سعر الدولار أمام الجنيه المصري ببداية تعاملات اليوم الإثنين 3 أغسطس
سعر الذهب اليوم الاثنين 3 أغسطس 2026 في محلات الصاغة
أسعار الدواجن فى الأسواق اليوم الإثنين 3 أغسطس 2026