الخميس 6 أغسطس 2026 01:54 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

حكايات مصيرية

الكاتب الصحفي: الحسيني عبدالله يكتب : ​نهر وشعب

الكاتب الكبير الحسيني عبدالله
الكاتب الكبير الحسيني عبدالله

​لم تعرف البشرية أمة ارتبطت بنهر، أو نهراً ارتبط بأمة على مر الزمان، كارتباط المصريين -قيادة وشعباً- بالنيل. وقد ظهر ذلك جلياً وبقوة في مشاهد أدبية كثيرة سجلها الأدب المصري بأنواعه؛ لا سيما أشعار الغزل التي ظهرت بدءاً من عام 1500 قبل الميلاد، وهي فترة تحررت فيها العادات، ويُعد عصر "الرعامسة" على وجه التحديد العصر الذي انطلق فيه الشعر الشخصي متحرراً من كل قيد.
​وترجّح العالمة الفرنسية كلير لالويت، في دراستها "نصوص مقدسة ونصوص دنيوية" ضمن سلسلة منظمة اليونسكو لنماذج الفكر العالمي، أن تلك القصائد «كانت تُلقى أثناء الولائم، بمصاحبة الموسيقى على آلتي الفلوت والجنك»، وتورد أبياتاً شعرية سجلتها قطعٌ عُثر عليها على سطح إناء محفوظ بالمتحف المصري، يحضر فيها النيل بقوة في مشهد غرامي يجمع حبيبين، كالمقتطف التالي:
​«حبيبي، كم يحلو لي أن أرحل، أن أنزل إلى النهر وأستحم أمامك، إني أتركك تشاهد جمالي، وأنا في سروالي المصنوع من الكتان الملكي، من أرقّه، أنا معطرة بالطيب الزكي، أغوص في الماء بجوارك، من أجل حبك، أخرج ممسكة بسمكة حمراء بين أصابعي، يا صديقي، يا محبوبي، تعال وشاهدني».
​وتواصل الأبيات حركتها الأدبية لتنتقل إلى المحبوب في فقرات تصويرية جديدة:
​«عشق حبيبتي على الشاطئ الآخر، النهر يفصل بيننا، المياه تندفع بشدة في زمن الفيضان، والتمساح واقف رابض فوق شط رملي، لكنني أنزل إلى الماء وأغوص وسط الأمواج، إن قلبي قوي فوق النهر، والتمساح يبدو لي كالفأر، الماء تحت قدمي أشبه باليابسة، إن حبي لها هو الذي يمنحني القوة، كأن وجودها قد سحر الماء، أنا لا أدري سوى رغبة قلبي وهي تقف أمامي».
​المرأة والطبيعة: شراكة الخصوبة
​وقد ساعد النيل خيال المصري على خلق شراكة تجمع بين المرأة والطبيعة، وتلفت الباحثة الفرنسية لالويت في دراستها إلى أن هذه الشراكة «تمتزج امتزاجاً تاماً، وتشكّل عنصري الخصوبة في الكون؛ فالمرأة والزهور والثمار لا تختلف من حيث الجوهر، إنها جميعاً النموذج والشاهد على الحياة المتجددة، البشرية والنباتية، على حد سواء».
​ويُعد عيد "وفاء النيل" -الذي تحل ذكرى الاحتفال به في 15 أغسطس من كل عام- بداية العام عند المصريين القدماء؛ فكانوا يستقبلون الفيضان بالفرح الشديد باعتباره الخير القادم لإعادة الحياة والخصوبة لأرض مصر بعد فصل الصيف الحار وقلة المياه بالنهر.
​وتأثر الفكر الديني كثيراً بفصول السنة؛ فكان "التل الأزلي" -وهو العامل المشترك بين كل أساطير الخلق التي تفسر بداية الكون- ما هو إلا تلك الأرض التي تبرز وترتفع أثناء انحسار الفيضان، وأحياناً كان يطلق المصري على الفيضان عند وصفه لشدته اسم (نون). وقد خصص المصري القديم معبوداً للفيضان ومنحه صفات تتناسب وقوة اندفاعه، وصفات تتفق وما يحمله من خير وخصوبة، كما ارتبط معبود الفيضان بعروش الملوك؛ فهو الذي يمنح الملك الخصوبة والخير، والذي يمنحه الملك بدوره إلى شعبه. وغالباً ما صُوِّر "حابي" إله النيل على جدران المعابد في الصف الأسفل؛ ليرمز إلى أنه أساس المعبد وضامن الخيرات والقرابين المقدمة لمعبوداته.
​كما ارتبط بالفيضان معبودات أخرى، خاصة "خنوم" الذي يتحكم في مياه الفيضان فيرسلها أو يمسكها، وهو صانع البشر من طمي الفيضان. وكان "أوزيريس" رباً لكل الفصول، فهو القوة الكامنة في الفيضان، وهو الثور الأسود بلون طمي الفيضان، وهو الذي تنشق عنه الأرض وتعود روحه كما تعود الروح إلى البذرة الميتة، وهو رب الحصاد حيث يتحول إلى "نبري".
​أناشيد النيل ومراسيم الملوك
​ويذكر أنطوان زكري في كتابه «النيل في عهد الفراعنة والعرب»، أن المصري القديم سجل في لوحتين من ورق البردي، معروفتين بورقتي "ساليير" و"أنسطاسي" (وهما من مجموعة البرديات المحفوظة حتى الآن في المتحف البريطاني، وترجمهما العالمان الأثريان الشهيران ماسبرو وجبس، وهما اللذان نقلاها من الشعر المصري القديم)، ويقول مطلع النشيد:
​«الحمد لك يا نيل، يا من تخرج من الأرض وتأتي لتغذي مصر، يا ذا الطبيعة المخيفة، ظلام في وضح النهار، إنه الذي يروي المراعي، وهو المخلوق من "رع" ليغذي كل الماشية، وهو الذي يسقي البلاد الصحراوية البعيدة عن الماء، فإن ماءه هو الذي يسقط من السماء، هو المحبوب من "جب"، ومدبر شؤون إله القمح، وهو الذي ينعش كل مصنع من مصانع "بتاح"، رب الأسماك وهو الذي يجعل طيور الماء تطير نحو الجنوب، إنه هو الذي يصنع الشعير والقمح وبذلك تتمكن المعابد من إقامة احتفالاتها».
​وكان يُذبح خلال الاحتفال قربانٌ قد يكون عجلاً أو دجاجة، ثم تُلقى في النيل رسالةٌ بها بعض الصلوات والمدائح. وكان الملك يحضر الاحتفال ومعه القادة ورجال الدين وسط جميع طوائف الشعب. وقد وُجدت على سفوح جبل السلسلة شمال أسوان ثلاث لوحات تضم ثلاثة مراسيم في الفترة ما بين 1300 ــ 1225 ق.م، تقر بأن يقام احتفال للإله "حابي" مرة عند أعلى ارتفاع للفيضان، ومرة أخرى عند أدنى ارتفاع، ويُتقرب خلاله بقرابين من الحيوانات والخضراوات والزهور والفاكهة.
​كما جاء ذكر أعياد النيل في مائدة للقرابين محفوظة في متحف فلورنسا بإيطاليا، ويرجع تاريخها إلى ملوك الأسر الثلاث الأولى. وقال المؤرخ ماسبرو عن عيد الفيضان: «عندما يصل الماء المقدس إلى جدران مدينة "سين" يقدم الكهنة أو الحاكم أو أحد نوابه ثوراً أو بطاً، ويلقيه في الماء في حرز من البردي مختوم عليه، ويكتب في الحرز الأمر الملكي الخاص بنظام الفيضان. ومتى ترأس الملك بنفسه هذا الاحتفال نقشوا في الصحراء وسجلوا هذا الحادث تذكاراً تاريخياً، وإذا تغيب الملك عن الاحتفال ناب عنه الكهنة باحتفال عظيم، حاملين تمثال المعبود سائرين به على ضفاف النيل والجسور مرتلين الأناشيد».
​وقد أشار العالم الأثري دي روجيه إلى الاحتفال أيضاً وقال: «في اليوم الخامس عشر من شهر توت جاء فيضان النيل في سلسلة، وفي 15 أبيب صعد النيل فُقدمت القرابين والهدايا للمعبود "حابي"، وفي ذلك اليوم كانوا يلقون له ميثاقاً مكتوباً من ديوان الملك، فيقبل النيل هذا العهد ولا يتخلف عن وعوده، فيمنح مواهبه أرض عبيده المؤمنين».
​ويروي الفيلسوف الروماني سينيكا أن المصريين في عهد الرومان كانوا يلقون في نهر فيلة القرابين، ويُلقي الحكام بعدها هداياهم من الذهب وأنواع الحلي المختلفة.
​واستمر المصريون على عاداتهم في الاحتفال بأعيادهم؛ فكما كان يعتقد الفراعنة أن سبب الفيضان هو نزول دمعة المعبودة "إيزيس" في النيل، اعتقد الأقباط أن النيل يفيض بنقطة تنزل من السماء، ويُحتفل في اليوم الحادي عشر من شهر بئونة بعيد "ليلة النقطة السماوية"، التي تنزل بفضل دعوة وصلاة رئيس الملائكة جبرائيل قبل نزولها بثلاثة أيام، حيث يسجد ويتوسل إلى ربه بأن يفيض النيل وينزل إلى الأرض المطر والندى.
​وعندما دخل العرب مصر، محوا كثيراً من العادات والتقاليد التي كانت متبعة في الاحتفال بالفيضان، لكنهم لم يتمكنوا من محو الاحتفال تماماً، بل اضطروا إلى اتباع التقاليد المصرية للاحتفال بفيضان النيل. وفي العصر المملوكي كان الاحتفال يبدأ يوم 26 بؤونة، وبعد أن يصل قياس ارتفاع مياه الفيضان إلى 16 ذراعاً، يبدأ احتفال شعبي ضخم تضيء فيه القناديل والشموع كل الشوارع، وينتشر الرقص والغناء، وتباع الخمور بكثافة.
​ويصف المؤرخ ابن إياس في كتابه «بدائع الزهور» ليلة من ليالي احتفال المماليك بالنيل: «خرجت سفينة سلطان مصر وعامت من بولاق وهي متزينة بالورد والأعلام، واستقبلها الأمراء بالطبل والزمامير عند مقياس فيضان النيل».
​تفنيذ أسطورة "عروس النيل"
​سادت في الاعتقاد الشعبي فكرةٌ روج لها المؤرخ العربي أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الحكم في كتابه «فتوح مصر والمغرب»، مفادها أن المصريين كانوا يلقون فتاة شابة مزينة بالحلي ليفيض النيل.
​وظل طقس إهداء النيل فتاة شابة في عيد وفائه مستقراً في الأذهان، لكن تم استبدال الفتاة بدمية خشبية على شكل فتاة آدمية. وتذكر الدكتورة نعمات أحمد فؤاد في كتابها «القاهرة في حياتي»، أن حكاية عروس النيل ليس لها أي أساس تاريخي.
​ويقول عباس محمود العقاد في كتابه «عبقرية عمر» معقباً على رواية ابن عبد الحكم: «الرواية على علاتها قابلة للشك في غير موضع عند مضاهاتها على التاريخ». وقد ترسخت الأسطورة في الأذهان وتناقلتها الأجيال كموروث شفهي عن ابن عبد الحكم في مؤلفه، على الرغم من عدم ذكر النصوص المصرية القديمة لها من قريب أو بعيد؛ فالثابت في المعتقد الديني المصري عدم تقديم قرابين بشرية إلى معبود مهما علا شأنه. كما توجد لوحات وبرديات تصف أحوال النيل وفيضانه وأزماته، لم يرد فيها أي ذكر لـ "عروس النيل" العذراء التي تُقدم كقربان للنيل.
​وقد فنّد هذه الأسطورةَ كثيرٌ من علماء تاريخ مصر القديم، ويمكن تلخيص آرائهم فيما يلي:
​اللوحات الأثرية: عُثر على ثلاث لوحات تصف جميعها المراسم الدينية والشعبية التي تحتفل بفيضان النيل، وتعود إلى عصر الملوك رمسيس الثاني ومرنبتاح ورمسيس الثالث، وتشير إلى أن الملك كان يحضر الاحتفال الذي يبدأ بذبح عجل أبيض وأوز وبط ودجاج كقربان، ثم تُلقى في النيل "رسالة" مكتوبة على ورق بردي تتضمن أناشيد تمدح النيل اعترافاً بفضله. وتحتفظ بردية "هاريس" (التي تعود إلى عصر رمسيس الثالث) بقائمة تذكر القرابين والحيوانات والفواكه والنباتات التي خصصت للمعابد، وتماثيل لمعبود النيل "حابي"، وكان يُلقى بكل القرابين مع التماثيل في النيل.
​شهادات الرحالة: زار كثير من الرحالة اليونان والرومان مصر بين القرنين السادس قبل الميلاد والقرن الأول الميلادي؛ مثل هيكاتيه (القرن السادس ق.م)، وهيرودوت (448 ق.م)، وديودور الصقلي (59 ق.م)، وسترابون (حوالي 25 ق.م)، وجميعهم كتبوا عن عادات مصر ولم يشر أي منهم إلى "عروس النيل".
​الوازع الديني للأقباط: كان دخول العرب مصر عام 640 ميلادياً، وكان المصريون يعتنقون الديانة المسيحية التي تجرّم القتل، ولا تسمح بممارسة طقس مثل إلقاء فتاة وقتلها غرقاً عرفاناً للنيل وفيضانه.
​دراسات المجاعات: استطاع العالم الفرنسي جاك فاندييه، في دراسته "المجاعة في مصر القديمة"، أن يجمع عدداً كبيراً من النصوص التي تحدثت عن المجاعة من أكثر من 55 مصدراً أثرياً مختلفاً (منها معبد إدفو وحده الذي ذكر 35 نصاً، وتسعة نصوص في معبد دندرة)، ولم يأتِ ذكْرٌ لأي "عروس للنيل" بشرية تُلقى في مياهه.
​رأي الآثاريين والمؤرخين: يقول العالم المصري رمضان عبده في دراسته "حضارة مصر القديمة" (من إصدارات وزارة الآثار المصرية): إن ابن عبد الحكم «كتب هذه القصة بعد دخول العرب مصر بنحو 230 عاماً، فإما أن تكون قد رُويت له بمعرفة أحد المخرفين، وإما أن تكون الحكاية برمتها من تأليفه هو بقصد تنفير المصريين من مظاهر حضارتهم وعقائدهم القديمة والدعوة إلى الإسلام».
​ويضيف المؤرخ عبد الحميد زايد في دراسته "مصر الخالدة": «قصة إلقاء فتاة في النيل التي رواها المؤرخ العربي ابن عبد الحكم لا تعدو أن تكون أكذوبة من الأكاذيب المدعاة على مصر القديمة، أو سوء فهم لبعض ما قام به المصريون عند الاحتفال بوفاء النيل، فهي قصة غير معقولة».
​ختاماً: النيل والمجلس الشرعي
​أخيراً، نجح المصريون على مر العصور في ربط حياتهم بالنيل؛ فكان الحكام يفرضون الضرائب من خلال تقارير يعدها مجلس شرعي مكلف إدارياً بمهمة رصد زيادة مياه النيل. وكانت جباية الضرائب ترتبط بهذا القياس؛ إذ كانت واجبة وملزمة إذا وصلت زيادة المياه في النيل إلى 16 ذراعاً فأكثر، ويتم الإعفاء منها إذا كان مقياس المياه أقل من ذلك.
​وبرغم التغيرات التي رافقت ثورة 1952، إلا أنها أبقت على هذا التقليد الذي ظل راسخاً، وهو المجلس الشرعي الإداري الذي كانت مهمته رصد وقياس فيضان النيل، وتولى رئاسته رئيس المحكمة الشرعية العليا حتى أُلغيت تلك المحاكم، ثم تولى رئاسة المجلس مفتي الديار المصرية.
​والأمر المثير للدهشة أن تكوين هذا المجلس ومهامه ظلت كما هي حتى عام 1972، وهو العام الذي انتهى فيه عمل المجلس بعد أن فرض الواقع الجديد نفسه، حيث لم يعد النيل يفيض بفضل مشروعات ري كبرى أعظمها مشروع السد العالي.

حكايات مصيرية الحسيني عبدالله نهر وشعب الجارديان المصريه