د. شروق شعبان تكتب : جمهورية الوهم السعيد
منذ يومين أطلت علينا أغرب قضية نصب في التاريخ الهزلي الذي نعيشه: شخص انتحل صفة قاضٍ بمجلس الدولة، لا حبًا في العدالة ولا طمعًا في هيبة المنصة، بل من أجل بعض التسهيلات والامتيازات، والأهم، للنصب على عقول الغلابة بمباركة المتابعين والمصفقين. والمصيبة لم تكن في انتحال الصفة، بل في التصفيق الذي انهال عليه كأنه عائد من فتح عكا.
ومن هنا أطل في ذاكرتي الأب الشرعي للظاهرة، رأس المدرسة، والتاجر الأول في سوق الهواء: علي بيه مظهر.
قضية القاضي المزيف ليست سوى فرع صغير في شجرة عائلة الوهم؛ إنه الرجل الذي حوّل الألقاب إلى سلعة، والأوسمة إلى بضاعة، والاعتراف الاجتماعي إلى صفقة تحت الطاولة.
والسؤال: كيف يجترئ هؤلاء علي فعل هذا؟ الإجابة موجعة: لأن السوق رائجة، والجمهور متلهف، والعقول في إجازة مفتوحة.
الناس لم تعد تعرف من هي، فكيف تعرف من هو غيرها؟ فاقد الشيء لا يعطيه؛ فاقد الهوية يصدق أي هوية، ويشتري أي لقب، لأنه يظن أن قيمة الإنسان في السطور التي تسبق اسمه، لا في السيرة التي تلي مماته. الشجرة المثمرة لا تعلق لافتة على أغصانها؛ الغصن ينحني من ثقل العطاء لا من ثقل الألقاب. أما الشجرة الجوفاء فكل ما تملكه ورق يُحدث جلبة مع كل نسمة هواء، وعلي بيه مظهر هو تاجر هذه الجلبة.
أضف إلى ذلك مرض السطحية المفرطة. في زمن يُقاس فيه المرء بعدد متابعيه لا بعمق أفكاره، حتي صار اللقب الوهمي أسرع مصعد إلى طابق "الشخصية المهمة". لماذا يتعب المرء في تحصيل العلم بينما يمكنه شراء "دكتوراه" ويبدأ فورًا في تحليل شخصية من يمسح الأرض أمامه؟
والسبب الثالث: موت المرجعية وانتحار النقد. حين تستضيف قناة "خبيرًا" يشرح كيف يسبب كوكب زحل تساقط الشعر للرجال فقط، فلا تلم القاضي المزيف حين يقرر أن القانون مزاجه الشخصي.
الجريمة لا تقع من المجرم وحده، بل من الحارس الذي ترك باب البنك مفتوحًا وهو يغني، ثم صفّق له الجمهور لجمال صوته بينما اللصوص يسرقون أحلامهم.
لذا، كفوا عن لوم علي بيه مظهر وابنه البار القاضي المزيف. إنهما رجلا أعمال ناجحان استشعرا حاجة السوق وقدّما المنتج. اللوم على من يظن أن قيمة الرجل في لقب يسبق اسمه، لا في أثر يتركه خلفه.
اللوم على جيل تربى أن الصورة أهم من الجوهر، وأن الوهم إذا تكرر كفاية يصبح واقعًا. قيمة الإنسان لا يمنحها ختم مزور، ولا يصادرها سجن؛ قيمتك الحقيقية هي ما يتبقى منك حين تُنزع عنك كل ألقابك، حين تقف عاريًا من كل وهم. يومها فقط ستعرف إن كنت إنسانًا، أم مجرد صدى لاسمٍ مزخرف.
طالما العقول في إجازة والقلوب فارغة إلا من الصدى، ستبقى مصانع الأوهام تعمل، وسيبقى علي بيه وابنه ضاحكين حتى البكاء. أما نحن، فسنظل نحمل مرآة هذا المقال، عسى أن يرى فيها أحدهم وجهه الحقيقي، قبل أن يفيق ليجد أنه دفع عمره ثمنًا للقبٍ، ولم يتبق منه إلا اسم على ورق، في عالم من ورق، تسوقه الريح إلى سلة مهملات التاريخ.












مصرع سيدة سقطت من أعلى عقار سكنى في التجمع
اليوم..أولى جلسات استئناف حكم إعدام متهم بخطف فتاة من ذوي الإعاقة
زوج يشعل النار في زوجته بقرية ميت الخولي بدمياط
اليوم.. استئناف سيدتين على حكم حبسهما في ممارسة الأعمال المنافية للآداب بمدينة...
أسعار الذهب اليوم الجمعة 18 سبتمبر 2026.. وعيار 21 بـ6340 جنيهًا
سعر الذهب اليوم في مصر الاثنين 14 سبتمبر 2026.. عيار 21 يسجل...
سعر الدولار اليوم الاثنين 14 سبتمبر 2026 فى مصر
أسعار العملات الأجنبية اليوم الجمعة فى مواجهة الجنيه المصري