عصام بيومى يكتب : دحر خرافة التنوير.. فك الارتباط بالمرجعيات الغربية
وصلنا سابقا إلى أن الحداثة، وما بعدها وما قبلها، ليست مجرد فلسفات أو أفكار بريئة، بل هي مشروعات مقصودة لتشويه الفطرة وتفكيك الثوابت وسجن الأفكار. وأحسب أن أولى خطوات الخروج من هذا السجن الفكري لا تكون بتقديم "ردود" جزئية على تلك الأفكار، بل بإعلان الاستقلال المعرفي الكامل عن أدواتها ومناهجها في التفكير، وفك الارتباط أو إعلان القطيعة الكاملة مع ما يسمى الفكر الغربي والمرجعيات الغربية، كما أشرت في مقال" لن أعيش في جلباب الغرب". فلطالما انتصرت فكرة الحداثة الزائفة في المعركة الثقافية ليس لأنها أقوى حجة، بل لأنها فَرضت على العالم معاييرها في الحكم على كل شيء، بقوة السلاح والاحتلال وسطوة، الإعلام العميل، وجعلت المسلمين بعامتهم ومفكريهم، يقيسون إسلامهم وحياتهم بمقاييسها الوضعية.
التبعية الفكرية التي نتحدث عنها لم تعد تقتصر على تقليد الغرب في الملبس أو المأكل، بل ضربتنا في طريقة التفكير ذاتها؛ فأصبحنا نقبل دون وعي أن "العلمانية" شرط لأي نهضة، وأن "النسبية" مبدأ للتقدم، وأن "العقل" المرجع الوحيد للاقتناع بالنصوص. وهذا بعينه هو أثر الحداثة المخرب. فقد جعلتنا ننظر إلى أنفسنا من خلال عيونهم، وبمقاييسهم، وكأن الإسلام مجرد "تراث" يحتاج إلى إعادة قراءة وفق قواعدهم، بدلاً من أن يكون هو الأصل الذي تُحاكم وتُقيم به فلسفاتهم.
لذا، فإن فك الارتباط يبدأ أولا بالتحرر، وتحرير المنهج. وبداية ذلك بالتوقف عن السؤال: "ماذا يقول الفكر الغربي عن الإسلام؟"، والسؤال بدلاً من ذلك: "ماذا يقول الإسلام عن الفكر الغربي وعن نفسه؟". هذه النقلة النوعية تحولنا من أمة متلقية إلى أمة مؤصلة. من أمة تابعة إلى أمة قائدة.
أكبر سحر مارسه مروجو الحداثة على عقولنا هو زرع ثنائيات وهمية تجعلنا نتصور أن الإسلام لا يستطيع الإحاطة بكل جوانب الحياة. ومن ذلك:
ثنائية "الديني والدنيوي": وهي تقسيم مبتور لا أصل له في الإسلام، الذي جعل طلب العلم فريضة، وجعل السياسة والاقتصاد جزءاً من الدين، وجعل العبادة لا تنفصل عن المعاملة. وفصّل تعاملنا في كل مناحي الحياة. فـ"تحرير المنهج" يعني رفض ذلك الفصل، والانطلاق من مفهوم "الإسلام منهج حياة متكامل".
وهناك ثنائية "العقل والنقل" حيث جعلتنا الحداثة نتصور أنهما في صراع، بينما في الأصول الإسلامية، العقل السليم لا يناقض النقل الصحيح، بل هو الآلة التي تستنبط أحكامه، والروح التي تفهم مقاصده.
وثنائية "القديم والجديد": أو ما يعرف بالصراع بين الأصالة والمعاصرة، وكأن الأصل هو القِدم وليس الثبات. المنهج المستقل لا يرى قديماً في ذاته ولا جديداً في ذاته، بل هو مرجع يبين الحق والباطل، فما وافق الشرع فهو حق مهما قدم، وما خالفه باطل مهما جدّ. وتحرير العقل من هذه الثنائيات يعيد قدرتنا على النظر إلى الواقع ككتلة واحدة، نتعامل معها بالوحي ميزاناً، لا بالزمن حَكَماً.
هنا نصل إلى النقطة الأهم، وتماشيا مع مفردات العصر، ألا وهي بناء نظرية معرفة إسلامية عربية من منطلق ومنبع التوحيد والإيمان بالوحي.
فبعد أن فضحنا وفندنا خرافة التنوير وهشاشة سطوة المناهج الغربية، لا بد من طرح وتأسيس بديل لها. وهنا نلوذ بعظمة المنهج الإسلامي الذي أسسه العلماء الأوائل في أصول الفقه والمنطق الإسلامي، والذي يُختصر في مبدأ واحد بسيط هو: "المعرفة الحقيقية تستمد يقينها من الوحي، ويُستعان بالعقل لفهم الواقع".
وليس عسيرا على أي عربي مسلم أن يتفق على أن أساس هذه النظرية المعرفية ينبني على قواعد أربع متكاملة:
1. القرآن الكريم: المصدر اليقيني الأول الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
2. السنة النبوية: البيان العملي والنظري للنص القرآني، وهي وحيٌ آخر يُفسر الأول.
3. الكون (الأفق والأنفس)، أو القرآن المتجسد في آيات الله المنظورة، التي دعانا خالقنا إلى التفكر فيها، ولكن دلالتها لا تنفصل عن دلالة الكتاب، بل هي شاهدة عليه، وتفسِره.
4.وأخيرا، العقل السليم: وهو الأداة التي تتعامل مع هذه القواعد، لتكوين العقيدة السليمة دون أن تكون هي المرجع الأعلى عليها. فالعقل في المنظور الإسلامي كالعين، يستضيء بنور الوحي ليرى، ولا يستطيع أن يرى في الظلام وحده.
وهذا الفهم المتكامل هو ما يمنح المنهج الإسلامي قوته، التي لا يمكن أن تضاهيها قوة أي منهج وضعي آخر، فهو يحمي العقل من الانزلاق إلى الوهم (كما حدث في الحداثة وأخواتها)، ويحمي النقل من الجمود والتحجر، كما في بعض الديانات الوثنية.
وللحديث بقية.
essam7@gmail












مصرع ربة منزل في حريق شقة سكنية بطوخ
بقيادة الرائد معتز مرسي.. مباحث كفر صقر تنشط بقوة وتوجه ضربات أمنية...
القبض على عامل بتهمة تصوير فتاة داخل غرفة تغيير الملابس بمحل في...
ضبط زوج تعدى على زوجته بسلاح أبيض وأصابها بجرح قطعي في الوجه...
السيطرة على حريق نشب داخل مسجد في الجيزة
سعر الدولار أمام الجنيه المصري ببداية تعاملات اليوم الإثنين 3 أغسطس
سعر الذهب اليوم الاثنين 3 أغسطس 2026 في محلات الصاغة
أسعار الدواجن فى الأسواق اليوم الإثنين 3 أغسطس 2026