الأحد 9 أغسطس 2026 08:30 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

د/ مصطفى يونس احمد يكتب : ” الفاضى” يعمل ”قاضى”..مثل تاريخى تحقق فى مصر وكشف ”فاضيين” كثر

د. مصطفى يونس
د. مصطفى يونس

الأمثال الشعبية ليست مجرد كلمات منظمة (فيها سجع) تقال فى المجالس ، وانما هى خلاصة تجارب مجتمعية تاريخية ، وقد يُعرف أصل المثل وتاريخه (متى وأين قيل ومن قاله والموقف الذى قيل فيه) ، وقد لا يُعرف ، والخلاصة أن هذا المثل أو ذاك قيل فى وقت أو زمن ما وتوراثته الأجيال ولا نزال نذكره ونردده فى المواقف التى تشبه الموقف الذى قيل فيه .
ومن بين الأمثال الشعبية التي تقال فى مصرنا الحبيبة يبرز المثل الشهير "الفاضي يعمل قاضى" الذى يطلق أو يقال على الشخص الذي ليس بيده عمل أو "شغل " يشتغله يعنى (فاضى) ، وبدلاً من أن يبحث عن عمل يقتات منه يشرع في التدخل في شئون الآخرين وإصدار الأحكام عليهم وعن أفعالهم ، أو بمعنى آخر" نصب نفسه حكماً على أفعال الناس وصار يُصدر الأحكام عليهم مثل القاضى الذى يُصدر الأحكام على المتهمين " .
وبناء على ذلك ؛ نجد أن قائل المثل لم يكن يقصد به القضاء أو القضاة (فهم أشخاص يعلمون ويعملون بعلمهم فى مصلحة الناس (تحقيق العدالة – فض المنازعات- الصلح بين المتخاصمين ...الخ ) وكلها أعمال صالحة للمجتمع ونافعة له ، وإنما قصد قائله من يمنح نفسه سلطة الحكم على الآخرين، ويتدخل فيما لا يعنيه، ويتقمص دوراً ليس له ، أو من دفعه "فضائه " وعدم شغله للبحث عن دور يمنحه أهمية، فيبدأ بإصدار الأحكام على الناس، وكأنه قاض يجلس على منصة القضاء.
وعلى أرض الواقع كم من الحالات " الفاضية " التى نقابلها فى حياتنا سواء كان ذلك " الفضاء " حقيقياً (أى لشخص لا يعمل ) ، أو مجازياً لشخص (يعانى من فراغاً داخلياً) يجعله ساخطاً على المجتمع والناس ؛ فيبدأ بإصدار الأحكام تجاههم كأنه قاضياً .
لكن هذه المرة "فاضى عمل قاضى" فعلياً ؛ إذ قامت السلطات المصرية المختصة بضبط شخص يدعى مصطفى، ظهر في مقاطع فيديو مصورة على مواقع التواصل الإجتماعى مرتدياً الزي القضائي (البدلة الرسمية والوشاح) ومنتحلاً صفة قاضى ، وقد ظهر ذلك المنتحل على منصة القضاء وكأنه يدير جلسه ويتحدث إلى أشخاص ظهرت أصواتهم فقط ولم تظهر صورهم كما لم يظهر المصور الحضور ولا قاعة المحكمة ، أقول ظهر المنتحل فى تلك الفيدوهات وكأنه يفصل فى قضايا حقيقية تخص من يتحدث إليهم ويتحدثون إليه فى الفيديو أو تخص موكليهم ، كما أظهر صور آخرى تواجده فى مقر انتخابات نادى القضاة ، ولم يكتفى بذلك بل جمعته صورة مع السيد المستشار / رئيس مجلس إدارة النادى السابق كما وصفته الصورة والذى بالطبع لا يعرف جميع القضاة فى جميع الدوائر القضائية وفى المحاكم المختلفة ، وظهر فى فيديو آخر خارجاً من دار القضاء العالى .
وبالنظر إلى تلك المشاهد ، وإلى ما تم تداوله عبر وسائل الإعلام المختلفة وما جاء على لسان "أخيه " و "أخته " و"محاميه" من اعترافات وتصريحات فأننا أمام " فاضيين" كثر لا "فاضى " واحد .
فبالنسبة للمتهم الذى لم يحمل سوى الشهادة الإعدادية ، ولم يدرس القانون على الإطلاق فنحن امام " فاضى عمل قاضى" بمعنى الكلمه ، مع أنه بتلك الشهادة غير مؤهل حتى لشغل وظيفة "كاتب " فى المحكمة (وإن كنت لا أعيب عليه ولا على أى شخص عدم انهاء دراسته ، فربما حالت ظروفه دون ذلك) ، لكن الخطأ والعيب هنا فى انتحال صفة " قاضى" التى انتحلها ليصنع من قلة قيمته امام نفسه وامام الناس أهمية و"هيبة ووقار القضاة " ، وجاء التقاطه للصور وتسجيله للفيديوهات المشار إليها بعاليه لترسيخ تلك الهيبة المزعومة أمام الضحايا ؛ يؤيد ذلك اعترافه بنفسه ومفاده "إعجابه" بنظرة الناس إليه واحترامهم له عند رؤيته بملابس ووشاح القضاء (وذلك طبقاً لما نشرهنا وهناك فى وسائل الإعلام وعلى لسان المشار إليهم بعاليه ).
أسرة المتهم أيضاً وعائلته والمحيطين به حتى عمدة قريته الذى تبرأ مما فعله اليوم ، وقال أن ما حدث بسبب " ان محدش فهمه الغلط من الصح " كل هؤلاء من نوع " الفاضى " الذى يصنع قاضى ويصدقه ؛ ذلك أنه إذا كان المتهم (كما قيل) يعانى من مشاكل أو إضطرابات نفسية بعد وفاة والدته (وهو بالمرحلة الأعدادية أو الثانوية على حسب الأقوال التى نشرت) والتى كان حلمها أن تراه قاضياً ، واعتزاله أسرته بعد تلك الوفاة و"عيشته" وحده فى تلك السن الصغيرة كل ذلك لا يعفيهم من المسئولية ومن محاولات تنصلهم مما فعله فى تصريحاتهم التى أدلوا بها امام الكاميرات وفى وسائل الإعلام ؛ إذ قالت أخته – على سبيل المثال أنه "كان سيايب البيت ومكناش بنشوفه ، وكانت نفسيته تعبانه من يوم وفاة أمه ، ومشفتوش من شهرين ، وكان بيجيب البدل من سوق الجمعة ...الخ " ، ، وقال أخوه "كان بيستلف منى أجرة الطريق" وقال محاميه "دا مش لاقى ياكل " أقول لا تعفيهم تلك التصريحات من المسئولية(خاصة أخته وأخيه ) .
موظفو المحكمة التى تم تصوير الفيديوهات بها والعاملين بها الذين سهلوا للمتهم مهمة الدخول إلى القاعة والإعداد والتصوير فيها ، وشاركوه أطراف الحديث أثناء التصوير هم أيضاً من النوع "الفاضى" الذى يصنع قاضى ؛ ذلك أن المال (قليلاً كان أو كثيراً لأن الأقوال تضاربت ) أغراهم فحادوا عن طريق الحق الذى من المفترض أنهم يعرفونه جيداً بحكم عملهم فى المحكمة ورؤيتهم لنوعيات وحكايات القضايا المطروحة امامها كل يوم .
مسئولى احدى القنوات الفضائية (قناة الصحة والجمال) تحديداً التى استضافت المتهم فى أحد برامجها وقدمته لجمهورها على أنه "مستشار بمجلس الدولة " من النوع "الفاضى " الذى يصنع قاضى ؛ فمن حقوق الجمهور علي تلك القنوات تحرى الدقة فى اختيار الضيوف والأطلاع على هوياتهم ، فضلاً عن آخذ الأذن من الجهات القضائية المختصة ومجلس القضاء الأعلى قبل استضافتهم .
هكذا يتبين كيف عمل المتهم من فراغه "فضيانه" الداخلى أو مرضه أو حبه للشهرة والأهمية التى يفتقدها "قاضى" دون مراعاة لأهمية المنصب وحساسيته ، وكيف ساعده " فاضيين " آخرين فى ذلك الانتحال "النصب" الذى انتحله ، وكيف أن المجتمع بحاجة إلى مقدار من الوعى يمنع اى "فاضى" من أنه يعمل "قاضى"
حفظ الله مصر وشعبها وقضاتها وقادتها من كل مكروه وسوء

د/ مصطفى يونس احمد ” الفاضى” يعمل قاضى..مثل تاريخى تحقق فى مصر وكشف ”فاضيين” كثر الجارديان المصريه