الأربعاء 12 أغسطس 2026 02:58 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

زكريا سليمان يكتب : تأملات في آية من رسالة الله الخالدة (17)

الكاتب الكبير زكريا سليمان
الكاتب الكبير زكريا سليمان

مازال الحديث غضا طريا لفهم تلكم الشخصية العالمية ، التي أيقاظت العرب من سباتهم العميق ، والتى أنفضت عنهم أدران التخلف ، وغبار الجهل ، وأدخنة
التعصب المقيتة ، وأخذت بأيديهم نحو الرقىّ ، والتقدم ، وحسن الخلق ، وفق منهج ربانى متحضر ، نعم إنها الشخصية المحمدية لرسول ﷺ الذى كان حريصا
لإصلاح الناس ، يقول تعالى عنه "لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيم" ولذا لم يكن غريبا أن تكون جميع
خطاباته ﷺ للناس جميعا دون اسثناء لأحد ، ولا تمييز لآخر ، فعلى سبيل المثال لا الحصر ، أنه ﷺ قال "مَنْ أشارَ إلى أخيهِ بحديدَةٍ ، فإِنَّ الملائِكَةَ تلْعَنُهُ ، وإِنْ كانَ أخاهُ لأبيهِ وأُمِّه" أي أن هذا الفعل مرفوض تماما من ألفه إلى يائه ، ولو
كانت تلك الإشارة على سبيل المزاح ، وقال ﷺ أيضا "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ، ويده" فمن الحماقة أن يفهم البعض ذلك الحديث فهما خاطئا "بأن يجوز للمسلم أن يتعدّى على غير المسلمين سبّا ، وقذفا ، وقتلا !
هذا فهم ضيق ، وفكر سقيم ، ولكن المقصود من قوله ﷺ "المسلمون" أي الأشخاص المسالمين ، أيّا كانوا هم ، إذن معنى الحديث "أن المسلم الحقيقى لايجوز له أن يتعدّى على المسالمين بأى حال من الأحوال ، وبأى شكل من
الأشكال ، أما الذين يتطاولون ، أيّا كانوا هم ، فليس لهم سوى القانون الذى يردعهم ، ليكفّوا عن أعمالهم المشينة التي تعكّر صفو المجتمع ، وتؤخر الأمة إلى عصور التخلف ، والجهالة ، واقرأ إن شئت قوله ﷺ "واللهِ لا يؤمِنُ واللهِ لا يؤمِنُ واللهِ لا يؤمِنُ قالوا وما ذاكَ يا رسولَ اللهِ ؟ ! قال جارٌ لا يؤمنُ جارُهُ بوائقَهُ
قالوا يا رسولَ اللهِ ، وما بوائقُهُ ؟ قال ﷺ : شرُّه" فقد نفى ﷺ الإيمان لمن امتدت أيديهم ، وألسنتهم بأذى على جيرانهم ، نعم هذا هو المسلم الحقيقى الذى فهم
دينه فهما صحيحا ، فالمسلم الحقيقى هو نور يستضاء به في ظلمات الجهل ، وهو درة مجتمعه ، وتاج أمته ، ومثالا ساميا للتحضر ، والتعايش السلمى بين
مختلف الناس ، وليس هذا فحسب ، بل أنه ﷺ أعلن قائلا "ألا أدلُّكم على ماتحابُّون به ؟
قالوا : بلى يا رسولَ اللهِ
قال ﷺ : أَفشوا السلامَ بينَكم" إنها لثلاث كلمات فقط ، ولكنهن يحملن معانيا ثقيلة المحمل ، عظيمة القدر ، والمكانة ، ثم تلى عليهم ﷺ قول ربه "إِذَا حُيِّيتُم
بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ ردّوها" بل كان ﷺ أوّل من يفعل بأقواله ، بل هو ﷺ مضربا للأمثال في تحضره ،ونموذجا للخلق العملىّ النبيل مع الناس جميعا ، حيث كان ذات يوم في السوق كسائر الناس ، فرأى امرأة عجوز لا تستطيع أن تحمل
حاجياتها ، فقال لها ﷺ بخلقه العظيم "عنك يا خالة" أي : يحمل عنها حاجياتها ،فاعتقدت أنه ﷺ حمّال ، فقالت له : يا بنى .. ليس معى شيء لأعطيها لك فأخبرها ﷺ بأنه ليس حمّالا ، ولا يريد منها أي شيء ، ومشى ﷺ ببطء كمشيتها
تماما ، حتى أوصلها إلى منزلها
فقالت له : سأقول لك وصية خير لك من المال .. لقد ظهر رجل يدعى محمدا ..
يسفّه آلهتنا ، ويدّعى أنه رسول من عند ربه ، فإنه كاذب ، فلا تصدقه فابتسم ﷺ ، ثم قال لها : أنا محمد
فتوقفت برهة ، وتأملته ، ثم قالت له : إن مثلك لا يكذب
ما هذا التحضر ، وما تلكم الروعة ؟ !
يجب أن تنشر تلكم الأقوال ، والآراء ، وأدبياته ﷺ في كل مكان ، وتتداولها الصحف ، والمواقع الإخبارية ، والمنصات المختلفة ، بل مواقع التواصل الاجتماعى بين الأصدقاء ، والزملاء .
فهذه هي بعض معالم شخصية الرسول ﷺ فى إرساء قواعد السلام المجتمعى ،والعالمىّ ، والذى ينزع فتيل الكراهية ، والتنازع ، والاقتتال ، والحروب بين الأفراد ، والمجتمعات ، والدول ، من قبل اشتعال نيرانها لتأكل الأخضر ، واليابس ، فما أروع أن يعيش كل إنسان على وجه الأرض في جوّ من السلام
، ودون أيّة منغصات ! ما هذا التحضر الرائع ؟ ! نعم إنها تلكم الشخصية العالمية التي تستحق أن يرفع له العالم بأسره قبعته.

زكريا سليمان تأملات في آية من رسالة الله الخالدة (17) الجارديان المصريه