الثلاثاء 11 أغسطس 2026 11:15 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

فنون وثقافة

د. محمد هناء الدين يكتب: شيري بنت برناس الأزرق (ربما حدث بالفعل)

الكاتب والأديب الكبير د. محمد هناء
الكاتب والأديب الكبير د. محمد هناء

حين كنت في الجامعة حدثت لي أغرب قصة حب يمكن أن يتخيلها إنسان ولم تبدأ القصة بكلمة حب ولا برسالة ولا بموعد ولا حتى بابتسامة عابرة وإنما بدأت بشعور غريب لا أجد له حتى الآن تفسيرًا كنت أسير في الطريق المؤدي إلى قاعات المحاضرات وفجأة توقفت أمام فتاة لا أعرفها أو هكذا كنت أظن في البداية نظرت إليها فنظرت إلي وفي اللحظة نفسها شعرت أنني أعرفها منذ سنوات طويلة سنوات أكبر من عمرنا نفسه شعرت أنني أعرف صوتها قبل أن تتكلم وأعرف عينيها قبل أن تنظر إلي وأعرف ابتسامتها قبل أن تبتسم وكأنني لم ألتق بها للمرة الأولى وإنما التقيت بها بعد غياب طويل وقفت هي الأخرى أمامي ولم يقل أحد منا كلمة لا أعرف كم مر من الوقت ثوان أم دقائق أم ساعات لكن الزمن في تلك اللحظة فقد معناه تمامًا ثم أفقت فجأة لأجد نفسي أسير معها على ضفة النيل نظرت حولي في دهشة فلم تكن الجامعة قريبة بل كانت قد ابتعدت عنا أكثر من عشرة كيلومترات ولم أجد تفسيرًا لما حدث ولا كيف انتقلنا من الجامعة إلى هنا وكأن جزءًا من الوقت قد اختفى من ذاكرتي التفت إليها وقلت لها إحنا جينا هنا إزاي فنظرت إلي وكأن السؤال لا يعنيها وقالت اتأخرت ولازم أمشي أوقفت سيارة أجرة وقالت للسائق إنها تريد الذهاب إلى المقطم وإنها تسكن هناك ثم ركبت السيارة وقبل أن تتحرك التفتت إلي وكانت تنظر إلي نظرة غريبة نظرة شخص يعرف أنه يترك شيئًا خلفه ثم تحركت السيارة وبقيت أنا واقفًا على ضفة النيل لا أفهم ماذا حدث ولا كيف انتقلت إلى هنا ولا لماذا كان بداخلي إحساس غريب بأنني قضيت معها سنوات كاملة بينما لم تمر سوى لحظات عدت إلى البيت وأنا في حالة تشبه التخدير لم أكن قادرًا على التفكير وفي تلك الليلة رأيتها في المنام كانت تجلس على كرسي عظيم مرصع بالجواهر وخلفها قاعة واسعة تشبه قصور الملوك القديمة وكانت ترتدي شيئًا لا أعرف كيف أصفه وكانت تبدو كأميرة خرجت من زمن آخر لكن أكثر ما أدهشني كان عينيها كان فيهما شيء من الحزن والهيبة والحب والخوف في الوقت نفسه استيقظت قبل الفجر وأنا أبحث عنها وجلست على سريري للحظات لا أعرف أين أنا ثم قلت لنفسي لازم أروح الجامعة لازم أشوفها ذهبت في الصباح وبحثت عنها في كل مكان في الممرات وأمام المدرجات وفي الساحة وبين الطلاب بحثت عنها بعيني وكأنني أبحث عن شيء فقدته منذ سنوات لكنني لم أجدها وحزنت بصورة لم أفهمها كان من المفترض أن تكون مجرد فتاة قابلتها مصادفة لكن غيابها كان يؤلمني كأنني فقدت إنسانة عاشت معي عمرًا كاملًا وفي اليوم التالي بحثت عنها واليوم الذي بعده وكل يوم كنت أذهب إلى الجامعة وأبحث عنها ولم أسأل أحدًا عنها ولم أعرف فرقتها ولا كليتها ولا عنوان بيتها ولا رقم هاتفها ولم أعرف عنها شيئًا تقريبًا كنت أعرف فقط أنها موجودة وأنني أحبها وكان ذلك بالنسبة إلي كافيًا حتى جاء يوم الثلاثاء من الأسبوع التالي وكنت أدخل الجامعة عندما رأيتها أمامي فجأة توقفت في مكاني وشعرت أن الأرض سحبت نفسها من تحت قدمي اقتربت مني ومدت يدها وأمسكت يدي وقالت بحبك وحشتني نظرت إليها وقلت من غير تفكير وأنا بحبك من سنين طويلة مش عارف عددها كام ثم قلت لها أنا مش عارف غير حاجة واحدة إني اتولدت وأنا بحبك ابتسمت ولم تسألني كيف أقول ذلك ولم أكن أنا أيضًا أعرف كيف خرجت الكلمات من فمي ثم سرنا معًا وكان الطريق مألوفًا بصورة مخيفة كنت أشعر أنني أعرفه رغم أنني لم أره من قبل وعاد إلي نفس الإحساس القديم إحساس أن جسدي يتحرك بينما عقلي في مكان آخر وفجأة وجدت نفسي أمام المقطم كانت هناك مغارة وأمام المغارة باب ضخم يشبه أبواب الحصون التاريخية وقفت أمامه مذهولًا وتساءلت في داخلي هل هناك من يعيش داخل الجبل وهل هذه مجرد مغارة أم أن هناك عالمًا كاملًا في الداخل مدت شيري يدها وسحبت يدي ودخلنا وكان المكان من الداخل مختلفًا تمامًا عن كل ما يمكن أن تتخيله عين كانت هناك أماكن للجلوس وكأن أحدًا يعيش هنا منذ سنوات طويلة جلست أمامي وأمسكت يدي وقالت أنا عارفة إنك عايز تعرف أنا مين لم أستطع الكلام كان قلبي يرتجف وعقلي شاردًا لكن شعور الحب كان أقوى من كل شيء قالت لازم تعرف الحقيقة عشان حبنا يبقى على صراحة ووضوح سكتت لحظة ثم قالت أنا الأميرة شيري بنت برناس الأزرق لم أفهم ماذا تقول وتابعت أنا من الجن الأزرق وحبيتك من أول ساعة شوفتك فيها شعرت أنني أسمع كلمات لا يمكن أن تكون حقيقية قلت لها جن ابتسمت بحزن وقالت كنت عارفة إنك هتخاف بس أنا مش عايزاك تخاف مني أنا حبيتك قبل ما تعرف أنا مين وقبل ما أعرف أنا مين ثم اقتربت مني وقالت أنت مش أول مرة تحبني يا محمد أنت أول مرة تفتكر حاولت أن أسألها ماذا تقصد لكن الغرفة بدأت تدور من حولي وصوتها أخذ يبتعد شيئًا فشيئًا ثم اختفى كل شيء وسقطت في ظلام عميق وعندما فتحت عيني كنت أسمع صوت أمي وهي تناديني محمد يا واد يا محمد اصحى فتحت عيني بصعوبة وكان رأسي يؤلمني بشدة وجسدي كله منهكًا كأنني قضيت أيامًا في عمل شاق قالت لي أمي إنت نايم من امبارح زي القتيل كده ليه نظرت إليها وقلت من امبارح فقالت أيوه من امبارح جلست على السرير وقلت لها بس أنا كنت في الجامعة فنظرت إلي بدهشة وقالت جامعة إيه إنت مخرجتش من البيت أصلًا دخلت الحمام وغسلت وجهي ووقفت أمام المرآة طويلًا كنت أبحث عن دليل علامة أي شيء يثبت أن ما حدث لم يكن حلمًا لكنني لم أجد شيئًا عدت إلى أمي فقالت إنت بتشرب حاجة يا محمد قلت لها يمكن حلمت لكنني لم أكن أصدق نفسي لأنني كنت أشعر بلمسة يد شيري وبرائحة عطرها وبعينيها وكأنها كانت معي منذ لحظات ارتديت ملابسي ونزلت وقررت أن أذهب إلى المقطم فإذا وجدت المغارة والباب سأعرف أنني لم أحلم وإذا لم أجدهما فسأعود إلى حياتي وأنسى كل شيء وصلت إلى مطلع المقطم وقلت للسائق استنى استنى هنا ونظر إلي السائق والركاب باستغراب وقلت له هي دي المنطقة فقال أيوه نزلت بسرعة واندفعت إلى المكان ودخلت المغارة فوجدتها نفس الصخور نفس المكان لكن الباب لم يكن موجودًا وقفت أمام الجدار ووضعت يدي عليه فلم أجد سوى صخر صامت بارد فضحكت على نفسي وقلت إنت بتعمل إيه يا محمد دي مغارة مفيش باب مفيش أميرة مفيش جن أزرق مفيش حاجة ثم شممت رائحة عطرها فتجمدت في مكاني كانت رائحة شيري واضحة وقريبة كأنها تقف خلفي التفت بسرعة فلم أجد أحدًا صرخت شيري فلم يجبني أحد صرخت مرة أخرى شيري إنتي فين ولم يأتني رد خرجت من المغارة وأنا أشعر أنني على وشك الجنون وقلت لنفسي يمكن شفت المغارة في فيلم يمكن عقلي اخترع الباقي يمكن كنت بحلم صعدت إلى ميدان النافورة وجلست في مقهى وطلبت كوبًا من الشاي وقلت لنفسي يا واد ده حلم فوق ريح وروح كليتك لكنني سمعت صوتًا محمد التفت فلم أجد أحدًا ثم سمعت الصوت مرة أخرى محمد الحقني متسبنيش هيخدوني تلفت حولي فلم يكن هناك أحد وجاء النادل يسألني حضرتك عايز إيه فلم أستطع الرد لثوان ثم قلت شاي ووضع النادل الشاي أمامي وفجأة سمعت همسًا غريبًا هيلا هيلاجولا جولا مليكا مليكا لم أفهم الكلمات لكنني شعرت بقشعريرة تسري في جسدي وبدلًا من أن أعود إلى الجامعة قررت العودة إلى المغارة ولم أكن أعرف أنني في تلك اللحظة كنت أقترب من شيء سيغير حياتي كلها عدت وكانت الشمس تقترب من الغروب وقفت أمام المغارة طويلًا أراقب الظلام في الداخل وكان لدي إحساس غريب بأن شيئًا ما يراقبني دخلت خطوة ثم أخرى وشممت عطرها مرة أخرى وقلت شيري فجاءني صوتها أنا هنا تجمدت وقلت فين فقالت قدامك نظرت إلى الجدار فلم يكن هناك شيء ثم تذكرت الكلمات التي سمعتها في المقهى وقلت هيلا فلم يحدث شيء قلت هيلاجولا ولم يحدث شيء قلت جولا ولم يحدث شيء ثم قلت مليكا وبعدها مليكا فاهتز الجدار أمامي تراجعت مذعورًا وبدأ الصخر يتحرك ببطء وظهر خط أسود رفيع ثم اتسع حتى ظهر الباب نفس الباب الذي رأيته في المرة الأولى بنفس النقوش ونفس الرهبة وسمعت صوت شيري يقول لو دخلت المرة دي يا محمد مش هترجع زي ما دخلت قلت لها وإنتي فين فقالت مستنياك قلت ليه أنا فسكتت لحظة ثم قالت لأنك مش أول مرة تحبني دي أول مرة تفتكر وانفتح الباب وكان خلفه ممر طويل مضاء بنور أزرق خافت وفي نهايته كانت شيري واقفة لكنها لم تكن شيري التي رأيتها في الجامعة كانت ترتدي ثوبًا أبيض طويلًا وشعرها ينسدل خلف ظهرها وفي عينيها حزن عميق اقتربت منها فقالت تعال قلت لها أنا خايف فابتسمت وقالت وأنا كمان ثم قالت بس الفرق إنك خايف من اللي هتعرفه وأنا خايفة من اللي هتفتكره دخلت وأغلق الباب خلفي وسمعت صوتًا يأتي من أعماق المكان عاد ابنها توقفت شيري وتغير وجهها قلت مين ابنها فلم تجب وأمسكت يدي وقالت مهما سمعت هنا إوعى تصدق إنك إنسان عادي سألتها يعني إيه فقالت هتعرف بس مش هسمح لك تفتكر كل حاجة مرة واحدة لأنك لو افتكرت كل حاجة ممكن عقلك ما يستحملش مشينا في الممر وكان طويلًا بصورة غير طبيعية حتى ظهرت أمامنا مدينة كاملة تحت الأرض قصور وممرات وأضواء زرقاء وأشخاص يتحركون في صمت لم يكونوا يشبهون البشر تمامًا لكنهم أيضًا لم يكونوا وحوشًا كانوا شيئًا بين الاثنين اقتربت منا امرأة عجوز ونظرت إلي طويلًا ثم قالت هو ده فقالت شيري أيوه فقالت العجوز كبر قلت لها مين فقالت أنت ثم رحلت نظرت إلى شيري وقلت أنا كنت هنا قبل كده فقالت أكتر مما تتخيل ثم دخلنا قاعة كبيرة وفي نهايتها كان رجل يجلس على كرسي أسود لم يكن عجوزًا ولا شابًا وكان وجهه غريبًا وهادئًا بصورة مخيفة نظر إلي وقال محمد وشعرت أن صوته مألوف ثم قال أخيرًا رجعت قلت له إنت مين فقال برناس الأزرق والد شيري قلت إنت اللي بتتحكم فيها فضحك وقال أنا لا أتحكم في شيري أنا أحاول حمايتها منك نظرت إلى شيري فقالت متصدقوش فقال برناس أنت لا تعرف ما فعلته من أجلك قلت له عملت إيه فقال في حياتك السابقة كنت واحدًا منا سكت لحظة ثم قال كنت تحب شيري وكان حبكما ممنوعًا قلت ليه فقال لأنك لم تكن من عالمها كنت من البشر لكن روحك كانت مرتبطة بهذا المكان وحين مات جسدك رفضت شيري أن تتركك وحاولت أن تعيدك لكن قوانين العالمين منعتها فانتظرت حتى ولدت من جديد قلت له وإيه علاقة ده بالجامعة فقال لأن شيري وجدتك قالت شيري أنا شفتك من أول يوم كنت ماشي في الجامعة ولما عيني جت في عينك عرفتك لكن أنت لم تعرفني إلا أن شيئًا في داخلك عرفني قلت طب ليه مش فاكر فقال برناس لأن البشر لا يستطيعون حمل ذاكرة أكثر من حياة إلا إذا فتح أحدهم الباب قلت وأنت فتحت الباب فقال لا شيري هي التي فتحته التفت إليها وكانت تبكي قلت ليها ليه فقالت لأني تعبت من الانتظار اقتربت منها وقلت أنا بحبك فقالت عارفة قلت حتى لو كنتي من عالم تاني فقالت أنا مش عايزة حبك يكون سببه إنك عرفت الحقيقة أنا عايزاه يكون نفس الحب اللي كان موجود قبل ما تعرف أي حاجة وفجأة بدأت الأرض تهتز وصرخ برناس لا لقد عرفوا سألت مين فقال حراس الحدود وقال لو بقيت هنا أكثر من اللازم سيغلق الباب بين العالمين وقد لا تستطيع العودة أمسكت شيري يدي وقالت لازم ترجع قلت مش هسيبك قالت لو فضلت هنا هتموت في عالم مش عالمك قلت وإنتي قالت أنا عشت هنا وحدي قرونًا أقدر أعيش أكثر قلت أنا مش هسيبك وفجأة رأيت شيئًا لم أفهمه رأيت نفسي في مكان آخر كنت شابًا مختلفًا أقف أمام شيري نفسها لكننا كنا نرتدي ملابس قديمة وكانت هناك حرب ونار وصراخ وكانت شيري تبكي وتقول ارجع لعالمك وقلت لها هستناكي ثم رأيت نفسي أموت ورأيتها تصرخ ثم انقطعت الرؤية وسقطت على الأرض وعندما فتحت عيني كنت في سريري وكانت أمي بجواري وقالت محمد إنت كويس نظرت إليها ولم أجب كانت الشمس تدخل من النافذة وكل شيء طبيعي الغرفة والسرير وصوت الشارع وصوت أمي كل شيء كما يجب أن يكون قلت لها أنا كنت فين فقالت نايم من امبارح نظرت إلى الساعة فوجدت أن يومًا كاملًا قد مر وقلت مستحيل ثم رأيت شيئًا بجوار يدي خاتمًا صغيرًا من معدن أسود وفي داخله حجر أزرق لم يكن موجودًا قبل أن أذهب إلى المغارة أمسكته فوجدته دافئًا كأنه خرج لتوه من يد إنسان اقتربت أمي وقالت إيه ده قلت مش عارف قالت ده بتاعك قلت لا قالت أمال جه منين ولم أعرف الإجابة وفي تلك الليلة لم أنم جلست أمام الخاتم وأنا أحاول إقناع نفسي أن كل شيء كان وهمًا لكنني عندما أغمض عيني كنت أرى شيري وفي الثالثة صباحًا سمعت صوتًا محمد فتحت عيني فلم يكن هناك أحد ثم جاء الصوت مرة أخرى أنا مستنياك وبعدها سمعت الكلمات نفسها هيلا هيلاجولا جولا مليكا مليكا نهضت وارتديت ملابسي وخرجت من البيت وذهبت إلى المقطم لكنني هذه المرة لم أكن ذاهبًا لأبحث عن شيري وإنما كنت ذاهبًا لأعرف الحقيقة وصلت إلى المغارة ودخلت ووقفت أمام الجدار ووضعت الخاتم عليه فاهتز الجدار وظهر الباب لكن قبل أن أدخل سمعت صوتًا خلفي محمد التفت فإذا بشيري واقفة خلفي قلت إنتي خرجتي فقالت أنا عمري ما خرجت قلت أمال إنتي مين ابتسمت وقالت السؤال ده هو بداية كل شيء اقتربت مني وقالت شيري اللي عرفتها في الجامعة كانت جزءًا مني لكن مش كل شيري قلت يعني إيه قالت لما الإنسان يحب روحًا من عالم آخر الحب أحيانًا لا ينتقل كما هو ينقسم جزء يعيش مع الحبيب وجزء يبقى في العالم الآخر أنا الجزء الذي انتظر والجزء الذي عرفته في الجامعة كان الجزء الذي ذهب إليك قلت يعني إنتي مش إنسانة قالت ولا أنت الإنسان الذي تعتقد أنك هو ثم وضعت يدها على صدري وقالت إنت فاكر دلوقتي بدأ رأسي يؤلمني واندفعت داخلي صور كثيرة حيوات وأماكن وأصوات وشيري والمغارة وبرناس وموت وفراق ووعد ثم سمعت صوتي القديم أقول لها لو اتفرقنا في حياة هنلتقي في حياة تانية فتحت عيني وقلت أنا فاكر بكت وقالت وأنا كنت مستنياك تقولها احتضنتها ولم أشعر في تلك اللحظة بالخوف ولا بالاختلاف بين عالم البشر وعالم الجن شعرت فقط أنني وصلت إلى المكان الذي كنت أبحث عنه طوال عمري لكن برناس ظهر أمامنا وقال الآن تبدأ المشكلة نظرت إليه وسألته أي مشكلة فقال إن تذكركما لبعضكما كسر القانون قلت أي قانون فقال لا يجوز لروح من عالم البشر أن تتذكر عالمنا ولا يجوز لروح من عالمنا أن تعبر إليه قلت وإيه اللي هيحصل فقال سيبحثون عنكما قلت مين فقال الحراس وإذا وجدوا محمد سيأخذونه قلت إلى أين فقال إلى المكان الذي لا يعود منه أحد أمسكت يد شيري وقلت لها إحنا هنرجع إلى عالمنا قال برناس إلى أين قلت إلى حياتي فقال وأنت تعرف أن شيري لن تستطيع البقاء هناك قلت يبقى أرجع لها كل مرة قال وماذا لو كانت كل حياة تقود إلى نفس النهاية نظرت إلى شيري وكانت تبكي فقلت لها يبقى نغير النهاية ابتسم برناس لأول مرة وقال الآن عرفت لماذا اختارتك ثم فتح الباب ومشينا في الممر وكان الضوء هذه المرة أبيضًا حتى وصلنا إلى باب آخر قالت شيري لو خرجت من هنا هتنسى كل حاجة قلت وإنتي قالت هتفضل جواك حاجة صغيرة قلت إيه قالت الإحساس حتى لو نسيتني هتفضل حاسس إن في حد ناقصك قلت وإنتي قالت أنا لن أنساك قلت وهنلتقي قالت الحب الحقيقي لا يحتاج أن يتذكر الطريق هو يعرف طريقه وحده ثم فتح الباب وخرجت والتفت إليها وكانت تقف في الضوء الأزرق فقلت شيري قالت نعم قلت لو نسيتك افتكريني ابتسمت وقالت أنا عمري ما نسيتك ثم أغلق الباب خلفي واستيقظت في صباح اليوم التالي وكانت أمي تجلس أمامي وقالت محمد إنت نمت كويس قلت أيوه فقالت كنت بتتكلم وإنت نايم سألتها كنت بقول إيه فقالت اسم واحدة قلت مين قالت شيري سكت ولم أعرف ماذا أقول لأنني لم أعد أعرف هل شيري كانت حقيقية أم أنها مجرد حلم طويل صنعه عقلي وهل ذهبت فعلًا إلى المغارة أم أنني كنت أعيش شيئًا لا يستطيع عقلي تفسيره وهل قابلت برناس الأزرق أم أن الرجل لم يكن سوى صورة من صور اللاوعي الذي صنعته داخلي لكن شيئًا واحدًا لم أستطع أن أنكره ذلك الإحساس الغريب بأن هناك شخصًا ما في مكان ما ينتظرني مرت سنوات وتخرجت من الجامعة وعملت وتزوجت وعشت حياتي ومع مرور الوقت بدأت التفاصيل تختفي لم أعد أتذكر وجهها جيدًا ثم نسيت صوتها ثم نسيت شكل المغارة ثم نسيت برناس لكنني لم أستطع أن أنسى الإحساس وفي كل مرة كنت أذهب فيها إلى المقطم كنت أشعر بشيء لا أفهمه كنت أقف أمام المغارة وأنظر إلى الصخور وأشعر أنني رأيت هذا المكان من قبل وكأن جزءًا من ذاكرتي يصرخ في داخلي ويقول إن القصة لم تنته وفي إحدى الليالي بعد سنوات طويلة كنت جالسًا وحدي عندما وصلتني رسالة من رقم مجهول لم يكن فيها سوى جملة واحدة وحشتني نظرت إلى الشاشة طويلًا وشعرت بقلبي يرتجف كتبت مين فجاء الرد بعد ثوان أنا شيري تجمدت أنفاسي ثم وصلت رسالة ثانية المرة دي الدور عليك تيجي نظرت إلى الساعة كانت الثالثة وثلاث عشرة دقيقة صباحًا ثم وصلت الرسالة الأخيرة ومتخافش من برناس هو كمان بقى مستنيك رفعت عيني عن الهاتف وكان هناك شيء يقف خلف نافذة غرفتي لم أره بوضوح مجرد ظل امرأة ثم اختفى اقتربت من النافذة ولم يكن هناك أحد لكنني شممت رائحة عطرها نفس العطر الذي لم أنسه رغم أنني نسيت كل شيء آخر وعندها فقط فهمت أن ما ظننته نهاية لم يكن إلا بداية جديدة وأن بعض قصص الحب لا تنتهي بموت أصحابها ولا بفراقهم ولا حتى باختلاف عوالمهم لأن هناك حبًا يبدو وكأنه أقدم من الحياة نفسها حبًا لا يحتاج إلى ذاكرة كي يعود ولا إلى موعد كي يبدأ من جديد وربما لهذا السبب كنت دائمًا أشعر أنني أبحث عن شخص لا أعرف اسمه بينما الحقيقة أنني كنت أبحث عن شيري منذ أن ولدت وربما قبل أن أولد وربما كانت هي أيضًا تبحث عني منذ اللحظة التي افترقنا فيها في حياة لا أذكرها وربما كان كل ما حدث مجرد حلم طويل لكن المشكلة أن الأحلام لا تترك خواتم في اليد ولا ترسل رسائل في الثالثة وثلاث عشرة دقيقة من الصباح ولا تجعل رائحة امرأة غائبة تملأ غرفة مغلقة ولا تجعل رجلًا يقف أمام مغارة في المقطم بعد سنوات طويلة وهو يعرف في أعماقه أن شيئًا ما ينتظره خلف ذلك الجدار وربما كان الباب ما زال هناك وربما لم يكن موجودًا أصلًا لكنني أعرف شيئًا واحدًا الآن أنني إذا سمعت صوت شيري مرة أخرى فلن أسألها هذه المرة من أنت ولن أسألها من أي عالم جئت ولن أسألها إن كنت أحلم أو أعيش لأنني سأقول لها فقط الجملة التي انتظرت أن تسمعها منذ قرون
أنا رجعت يا شيري

69b42dd5a516.jpg
محمد هناء الدين شيري بنت برناس الأزرق (ربما حدث بالفعل) الجارديان المصريه