الخميس 13 أغسطس 2026 04:21 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

حكايات مصيرية

الكاتب الصحفي الحسيني عبدالله يكتب : آليات التنسيق بين التوصيف والتصنيف

الكاتب الكبير الحسينى عبدالله
الكاتب الكبير الحسينى عبدالله

​تتحول البيوت سنوياً، مع إعلان نتائج الثانوية العامة، إلى غرف عمليات لإدارة الأزمة؛ والسبب كلمة واحدة تُسدل الستار على مرحلة وتفتح أبواب الأخرى: «التنسيق».
​تلك الأرقام والعلامات العُشرية التي تُوزّع الطلاب على الكليات، طالما نُظر إليها مجتمعياً كـ «توصيف نهائي» يُحدد القيمة الاجتماعية والمصير المهني للشاب. لكن مع التغيرات المتسارعة في الاقتصاد والتكنولوجيا، يطرح الواقع سؤالاً حاسماً: هل ما زال «مجموع الثانوية» كافياً لتصنيف الخريج وحسم موقعه في المشوار المهني ونجوميته في المجتمع؟
​أولاً: «توصيف» التنسيق.. آلية تنظيمية أم وسام مجتمعي؟
​في أصله، يُعد نظام التنسيق آلية تنظيمية عادلة لتوزيع الأعداد بناءً على الطاقة الاستيعابية للكليات ومبدأ تكافؤ الفرص. لكن الإشكالية تكمن في «التوصيف الاجتماعي» الثابت الذي يُغلّف هذه العملية:
​كليات السلسلة الأولى («القمة»): يُنظر إليها بوصفها الضامن الوحيد للوجاهة والاستقرار.
​الكليات الأخرى: تُوصف غالباً كـ «بدائل اضطرارية»، بغض النظر عن شغف الطالب أو متطلبات العصر.
​هذا التوصيف الخاطئ يُعامل التنسيق وكأنه «نهاية مطاف»، بينما هو في الحقيقة مجرد «نقطة انطلاق» لا تُعبر بالضرورة عن قدرات الطالب الذاتية أو إمكاناته المستقبليّة.
​ثانياً: «تصنيف» سوق العمل.. المعايير الحقيقية للبقاء والتميز
​حين يتخرج الطلاب ويواجهون الواقع العملي، تتبدد التوزيعات الرقمية القديمة، ويفرض سوق العمل نظام «تصنيف» جديد قائم على المهارة والكفاءة:
​كليات القطاع الطبي والهندسي: التخرج منها لم يعد ضمانة مطلقة للنجاح. التخصصات الدقيقة، التعلم المستمر، والمهارات التقنية واللغوية هي ما يُصنف الخريج بين «عادي» و«متميز».
​الكليات النظرية والإنسانية (التجارة، الآداب، الحقوق، العلوم...): أصبحت الأكثر مرونة وقدرة على التكيف؛ خريج التجارة الذي يتقن تحليل البيانات، أو خريج اللغات والمصمم الذي يمتلك مهارات الاتصال والذكاء الاصطناعي، باتوا يحتلون صدارة المشهد الوظيفي بأعلى العوائد.
​الكليات التكنولوجية والتطبيقية: فرضت نفسها كمسار حديث يُعطي تصنيفاً مهنياً مرتفعاً وسريعاً في مجالات التصنيع الذكي، الطاقة، والشبكات.
​ثالثاً: نجومية المجتمع.. التأثير لا تُحدده أروقة التنسيق
​إن قراءة المشهد المجتمعي تُثبت أن لكل مهنة نجومها وأعلامها، وأن الشهرة والأثر لا يُحتكران لصالح شهادة بعينها:
​خريجون من كليات القمة بعيداً عن الأضواء: تجد آلاف الأطباء والمهندسين يؤدون عملهم بكفاءة ولكن في إطار روتيني هادئ دون أن يكون لهم حضور عام أو تأثير مجتمعي واسع.
​نجوم خرجوا من «كليات عادية»: على الجانب الآخر، يزخر المجتمع برواد أعمال، كتاب، صناع رأي، ومبتكرين خرجوا من كليات نظريّة أو متوسطة التنسيق، وصنعوا أثراً استثنائياً ونجومية مجتمعية تجاوزت بأبعادها الحدود التقليدية للشهادة.
​رابعاً: إعادة كتابة المعادلة
​تُشير التوجهات الحديثة إلى أن المهارات الشخصية (Soft Skills)، القدرة على التعلم الذاتي، والمرونة المهنية هي التي تحسم المعركة الحقيقية بعد التخرج. فلم يعد المسار المهني خطياً (دراسة > وظيفة ثابتة)، بل أصلح مساراً ديناميكياً يستطيع فيه الفرد إعادة اكتشاف نفسه وتغيير اتجاهه الوظيفي بمرونة.
وأخير نستطيع القول
​إن التنسيق يُوزع المقاعد الدراسية، لكن الإرادة والمهارة هما اللتان تُوزعان الفرص والنجومية.
​التنسيق ليس سوى محطة قطار تختار منها الرصيد الذي تقف عليه، أما وجهة القطار وسرعته ومدى أثره في المجتمع، فأمور يكتبها الخريج بجهده وشغفه بعد التخرج، بعيداً عن أرقام شهادة الثانوية.
​«الشهادة تمنحك فرصة الدخول إلى العالم العملي.. أما مهاراتك وأثرك فهما ما يمنحانك مكانتك فيه.»

الحسيني عبدالله حكايات مصيرية آليات التنسيق بين التوصيف والتصنيف الجارديان المصريه