الخميس 13 أغسطس 2026 04:18 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

حسين السمنودى يكتب: حضرتك حرامي.. حين يصبح الفساد وظيفةً والسرقة شطارةً

الكاتب الكبير حسين السمنودى
الكاتب الكبير حسين السمنودى

"حضرتك حرامي".. كلمة تبدو قاسية، وربما صادمة، وربما يرفضها من يسمعها لأول وهلة، لكن الأخطر من الكلمة نفسها أن تصبح الحقيقة أقسى منها، وأن نعيش في بلد لا يعود فيها الحرامي هو ذلك الذي يختبئ في الظلام ويحمل سلاحًا ويكسر باب بيت، وإنما يصبح الحرامي أحيانًا شخصًا يتمتع بكل أنواع البجاحة . أو يكون الحرامي جالسا خلف مكتب، يرتدي بدلة أنيقة، يحمل بطاقة وظيفية، ويتحدث عن القانون والنظام والنزاهة، بينما يمد يده إلى ما ليس من حقه، أو يستغل منصبه لمصلحة شخصية، أو يبيع توقيعه، أو يساوم الناس على حقوقهم.

وليس كل موظف حراميًا، وليس كل مسؤول فاسدًا، وليس كل صاحب سلطة يستغلها، فهناك شرفاء كثيرون ما زالوا يمسكون على الجمر، ويؤدون أعمالهم بضمير، ويخافون الله في أرزاق الناس وحقوقهم. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الفساد من تصرف فردي إلى ثقافة، ومن جريمة يستحي صاحبها إلى ممارسة يتفاخر بها البعض، ومن استثناء إلى ظاهرة يراها الناس كل يوم حتى تكاد تصبح أمرًا عاديًا.

الحرامي القديم كان يخشى أن يراه أحد.

أما حرامي هذا الزمان فقد يخشى فقط أن يراه أحد وهو لا يأخذ نصيبه!

هناك من يسرق المال، وهناك من يسرق الوقت، وهناك من يسرق الفرصة، وهناك من يسرق حق إنسان في العلاج أو العمل أو السكن أو التعليم، وهناك من يسرق توقيعًا، وهناك من يسرق قرارًا، وهناك من يسرق مستقبل أسرة كاملة لأنه قرر أن مصلحته أهم من مصلحة الوطن.

والسرقة ليست دائمًا أن تضع يدك في جيب رجل وتأخذ نقوده.

أحيانًا تكون السرقة أن تمنع عن إنسان حقه لأن جيبه لا يسمح له بدفع "المعلوم".

وأحيانًا تكون السرقة أن تعطل ورقة أيامًا وشهورًا حتى يضطر صاحبها إلى السؤال: "عايزين إيه؟"

وأحيانًا تكون السرقة أن تمنح وظيفة لمن لا يستحق، وتحرم منها من يستحق.

وأحيانًا تكون السرقة أن تبيع الضمير في سوق المصالح، وأن تجعل المنصب سلعة، والكرسي غنيمة، والنفوذ بابًا مفتوحًا لكل من يدفع أكثر.

وهنا يصبح السؤال موجعًا:

هل نحن أمام حرامية فقط، أم أمام منظومة كاملة تسمح للحرامي أن يرتدي ثوب المحترم؟

المصيبة ليست في الموظف الذي انحرف وحده، وإنما في المجتمع الذي يبدأ في التعامل مع انحرافه باعتباره أمرًا طبيعيًا.

المصيبة حين يقول لك أحدهم: "خلص مصلحتك وخلاص."

وحين تقول إن هذا خطأ، يرد عليك: "ما كل الناس بتعمل كده."

وكأن كثرة الخطأ تجعله صوابًا!

وكأن انتشار الفساد يمنحه شهادة براءة!

وكأن المواطن أصبح مطالبًا بأن يتعلم كيف يساير الفاسد بدلًا من أن يطالب بإيقاف الفساد.

لقد أصبحنا نسمع أحيانًا عن شخص يتحدث عن "الشطارة" لأنه استطاع أن يحصل على شيء بغير حق، أو أن يتجاوز طابورًا، أو أن يستخدم واسطة، أو أن يلتف حول القانون.

وهذه أخطر مرحلة.

حين يتحول الحرام إلى شطارة.

وحين يصبح الشريف هو "الغلبان" في نظر البعض.

وحين يصبح صاحب الضمير هو الذي لا يعرف كيف يأخذ حقه، بينما يصبح من يلتف على القانون هو "اللي فاهم الدنيا".

يا سادة..

البلد لا تُسرق فقط من خزائنها.

البلد تُسرق عندما يُسرق احترام القانون.

تُسرق عندما يُقتل الأمل داخل شاب مجتهد لأنه رأى غيره يحصل على ما يريد بالواسطة.

تُسرق عندما يشعر العامل البسيط أن مجهوده لا قيمة له أمام صاحب النفوذ.

تُسرق عندما يذهب المواطن إلى مؤسسة حكومية وهو يحمل أوراقه كاملة، ثم يعود إلى بيته مكسورًا لأنه لم يجد من يسمع صوته.

تُسرق عندما يتحول الموظف من خادم للمواطن إلى سيد عليه.

وتُسرق عندما يصبح السؤال الأول قبل إنجاز أي مصلحة:

"مين يعرف مين؟"

وهنا نصل إلى نوع آخر من الحرامية..

حرامية متسترون وراء الوظائف.

لا يسرقونك في الشارع، وإنما قد يسرقونك داخل مكتب.

لا يهددونك بسكين، وإنما قد يهددونك بتعطيل معاملتك.

لا يمدون أيديهم إلى جيبك، وإنما يجعلونك تفتح جيبك بنفسك.

وهذا النوع أخطر؛ لأنه يختبئ خلف سلطة القانون، بينما القانون بريء منه.

والوظيفة في الأصل أمانة.

والكرسي ليس ملكًا لمن يجلس عليه.

والمنصب ليس إرثًا عائليًا.

والسلطة ليست تصريحًا مفتوحًا لإذلال الناس.

ومن يتولى مسؤولية عامة، من أصغر موظف إلى أكبر مسؤول، يجب أن يعرف أن وراء كل ورقة إنسانًا، ووراء كل قرار أسرة، ووراء كل توقيع مستقبلًا، ووراء كل تأخير ربما مريض، أو أرملة، أو رجل عجوز، أو شاب يبحث عن فرصة.

لكن بعض الناس عندما يجلسون على الكرسي ينسون الكرسي الذي كانوا يقفون أمامه بالأمس.

ينسون أنهم كانوا مواطنين.

ينسون طوابير المصالح الحكومية.

ينسون الموظف الذي قال لهم ذات يوم: "تعالى بكرة."

ثم يصبحون هم أنفسهم ذلك الموظف.

فتدور الدائرة.

والضحية دائمًا هو المواطن البسيط.

هناك أيضًا حرامي لا يأخذ منك جنيهًا واحدًا، لكنه يسرق منك سنوات عمرك.

إنه الذي يعطل مصالح الناس.

الذي لا يحضر في موعده.

الذي يترك مكتبه بلا سبب.

الذي يتعامل مع وظيفته وكأنها ملكية خاصة.

الذي يتعامل مع ساعات العمل باعتبارها وقتًا شخصيًا.

هذا أيضًا يسرق.

يسرق من الدولة.

ويسرق من الناس.

ويسرق من نفسه قبل الجميع.

وهناك من يسرق المال العام ثم يتحدث عن حب الوطن!

يا للعجب!

كيف يمكن لإنسان أن ينهب المال الذي يفترض أن يذهب إلى مدرسة أو مستشفى أو طريق أو خدمة، ثم يقف ليحدث الناس عن الوطنية؟

الوطنية ليست أغنية نرددها.

الوطنية ليست صورة نرفعها.

الوطنية ليست منشورًا نكتبه على مواقع التواصل.

الوطنية أن تخاف على حق غيرك كما تخاف على حقك.

الوطنية أن ترفض المال الحرام حتى لو كان الطريق إليه سهلًا.

الوطنية أن تقول "لا" عندما يقول لك الجميع "نعم".

الوطنية أن تعرف أن المال العام ليس مالًا بلا صاحب، وإنما مال ملايين الناس.

مال الفقير والغني.

مال العامل والفلاح.

مال الموظف وصاحب المعاش.

مال الطفل الذي لم يولد بعد.

نعم..

حتى الأجيال القادمة لها حق في هذا الوطن.

ومن ينهب المال العام لا يسرق حاضر الناس فقط، بل يسرق جزءًا من مستقبلهم.

لكن الأخطر من الحرامي نفسه هو من يحميه.

ذلك الذي يعرف الحقيقة ويسكت.

والذي يرى الخطأ ويتغاضى.

والذي يبرر الفساد لأن صاحبه قريب منه.

والذي يقول: "سيبه، ده راجل كبير."

أو: "دي مصلحة."

أو: "ما تدخلش نفسك."

هؤلاء شركاء في صناعة المناخ الذي يعيش فيه الفساد.

فالحرامي لا يكبر وحده.

يكبر عندما يجد من يصفق له.

يكبر عندما يجد من يخاف منه.

يكبر عندما يجد من يسكت عنه.

يكبر عندما يكتشف أن الشريف يخشى المواجهة، وأن صاحب الحق يتعب من كثرة الشكوى.

ولذلك فإن أخطر شيء يمكن أن يحدث لأي مجتمع هو أن يفقد الناس إحساسهم بالدهشة.

أن يرى الإنسان الظلم فلا يغضب.

أن يرى الرشوة فلا يستنكر.

أن يرى الواسطة فلا يعترض.

أن يرى المال العام يهدر فلا يسأل.

أن يرى الفاسد يترقى فيتمنى أن يصبح مثله بدلًا من أن يتمنى أن يُحاسب.

عندها لا تكون المشكلة في عدد الحرامية.

المشكلة تكون في موت الضمير.

والبلد التي يموت فيها الضمير لا تحتاج إلى لصوص كثيرين حتى تُنهب؛ يكفيها عدد قليل من الفاسدين، وكثير من الصامتين.

ولذلك، قبل أن نقول "حضرتك حرامي"، يجب أن نسأل أنفسنا جميعًا:

هل نمارس شكلًا من أشكال السرقة دون أن نشعر؟

هل أخذنا يومًا حقًا ليس لنا؟

هل استخدمنا واسطة لحرمان شخص أكثر استحقاقًا؟

هل صمتنا عن فساد لأننا استفدنا منه؟

هل شاهدنا ظلمًا وقلنا: "وأنا مالي؟"

هل تعاملنا مع المال العام وكأنه مال بلا قيمة؟

فالمواجهة الحقيقية مع الفساد لا تبدأ فقط من السجون والمحاكم، وإنما تبدأ من التربية.

من البيت.

من المدرسة.

من المسجد والكنيسة.

من الإعلام.

من الأسرة.

من الموظف الذي يرفض الرشوة.

من المواطن الذي يرفض دفعها.

من المسؤول الذي لا يحمي فاسدًا.

من المدير الذي يحاسب المخطئ حتى لو كان قريبًا منه.

ومن المجتمع الذي يعيد للشريف قيمته.

نحن بحاجة إلى أن نعيد تعريف كلمة "الشطارة".

الشاطر ليس الذي يعرف كيف يأخذ حق غيره.

الشاطر هو الذي ينجح بعرقه.

الشاطر ليس الذي يعرف عشرين واسطة.

الشاطر هو الذي يثبت نفسه دون أن يظلم أحدًا.

الشاطر ليس الذي يخرج من القانون من ألف باب.

الشاطر هو الذي يعيش داخل القانون ولا يخاف منه.

الشاطر ليس الذي يجمع الملايين من الحرام.

الشاطر هو الذي ينام على وسادة مرتاح الضمير.

ولأن الكلام عن الحرامية كثير، فإن الكلام عن الشرفاء يجب أن يكون أكثر.

فهناك موظف يرفض رشوة رغم احتياجه.

وهناك طبيب يؤدي عمله بإخلاص.

وهناك مدرس يذهب إلى مدرسته وكأنه ذاهب إلى مهمة وطنية.

وهناك عامل يبدأ يومه قبل الجميع وينتهي بعد الجميع.

وهناك مسؤول لا يقبل أن تُظلم نفس واحدة أمامه.

وهؤلاء هم الذين يستحقون الاحترام.

هؤلاء هم الذين ينبغي أن نرفع أسماءهم، لا أسماء من جمعوا ثرواتهم من استغلال الناس.

ولابد أن يفهم كل من يختبئ خلف منصبه أن الكرسي لا يحمي صاحبه إلى الأبد.

المنصب ينتهي.

والسلطة تنتهي.

والحصانة تنتهي.

والشهرة تنتهي.

والمال ينتهي.

ولا يبقى في النهاية إلا السيرة.

إما أن يقال: "كان رجلًا محترمًا، عاش شريفًا وخدم الناس."

وإما أن يقال: "كان له منصب كبير، لكنه خرج منه ولم يترك وراءه إلا علامات الاستفهام."

وهذه هي الحقيقة التي يهرب منها كثيرون.

كل إنسان سيترك الكرسي يومًا.

وكل يد ستُسأل عما أخذت.

وكل توقيع له حساب.

وكل قرار له ثمن.

وكل مظلوم له دعوة.

فلا تغتروا بالمكاتب الفخمة.

ولا بالسيارات الفارهة.

ولا بالألقاب.

ولا بالسلطة.

فأحيانًا يكون الإنسان فقيرًا في المال، لكنه غني في الكرامة.

وأحيانًا يكون الإنسان ممتلئ الجيوب، لكنه فارغ القلب.

وفي النهاية..

يا من تسرقون باسم الوظيفة، وتنهبون باسم النفوذ، وتختبئون خلف الأوراق والأختام، وتعتقدون أن الناس لا تستطيع الكلام، تذكروا أن المواطن البسيط قد يصمت لأنه لا يملك القوة، لكنه لا ينسى.

وتذكروا أن الوطن ليس غنيمة.

وأن الوظيفة ليست بابًا للثراء الحرام.

وأن المنصب ليس ملكًا شخصيًا.

وأن الناس الذين تقفون أمامهم اليوم قد يأتي يوم تقفون فيه أمام الحقيقة مجردين من كل الألقاب.

أما أنت أيها المواطن..

فلا تجعل كثرة الحرامية تقنعك بأن السرقة أصبحت طبيعية.

ولا تجعل انتشار الفساد يقنعك بأن النزاهة سذاجة.

ولا تجعل بعض الفاسدين يجبرونك على أن تصبح واحدًا منهم.

كن شريفًا حتى لو شعرت أنك وحدك.

قل "لا" حتى لو كانت كلمة "نعم" أسهل.

ارفض الظلم حتى لو كان المظلوم لا تعرفه.

ولا تبيع ضميرك مهما كان الثمن.

فالأوطان لا تنهض بكثرة الأموال وحدها، ولا بكثرة المباني، ولا بعدد المشروعات، وإنما تنهض عندما يصبح الإنسان فيها مطمئنًا أن حقه لن يضيع لأن جيبه فارغ، وأن القانون لن ينحني أمام النفوذ، وأن الوظيفة لن تتحول إلى وسيلة للابتزاز، وأن الشريف لن يصبح هو الخاسر الوحيد.

وفي النهاية، ليست المشكلة أن يكون في البلد حرامية..

فكل مجتمع قد يضم الصالح والطالح.

المشكلة الحقيقية أن يصبح الحرامي محترمًا، والشريف ساذجًا، والفاسد شاطرًا، وصاحب الحق "وجع دماغ"، والساكت حكيمًا، ومن يرفض الرشوة معقدًا، ومن يأخذها "بيعرف يتصرف".

هنا يجب أن ندق ناقوس الخطر.

لأن البلد لا ينهشها اللص وحده..

بل ينهشها أيضًا من سمح له أن يسرق، ومنحه الغطاء، ومنحه الخوف، ومنحه الصمت، ومنحه فرصة أن يتحول من حرامي إلى صاحب نفوذ.

وحينها تصبح الجملة التي كانت في يوم من الأيام شتيمة مجردة:

"حضرتك حرامي."

لكنها اليوم قد تكون سؤالًا أخطر:

هل حضرتك تسرق مال الناس فقط، أم تسرق معهم ثقتهم في بلدهم؟

فالمال يمكن تعويضه..

لكن عندما يُسرق من الإنسان إحساسه بالعدل، يُسرق منه الوطن نفسه.

وهنا تكون السرقة الأكبر..

حسين السمنودى حضرتك حرامي.. حين يصبح الفساد وظيفةً والسرقة شطارة ً الجارديان المصرية