الجمعة 14 أغسطس 2026 05:11 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

د. القس جرجس عوض يكتب : فيلم «الضيف» وجريمة أسرة التجمع

د. القس/  جرجس عوض
د. القس/ جرجس عوض

قدّمت السينما المصرية فيلم من تأليف إبراهيم عيسى عام 2019 وإخراجه هادي الباجوري، وبطولة خالد الصاوي، وشيرين رضا، وأحمد مالك، وجميلة عوض، مع ظهور خاص للفنان ماجد الكدواني.
تدور أحداث الفيلم حول المفكر والتنويري «يحيى حسين التيجاني»، الذي يجسّد شخصيته الفنان خالد الصاوي، وهو رجل متزوج من مسيحية تذهب إلى الكنيسة، وتجسّد شخصيتها الفنانة شيرين رضا. ومن خلال هذا البناء الدرامي، يحاول الفيلم طرح قضايا التسامح والتعايش وقبول الاختلاف، في مقابل نموذج فكري متطرف يمثله الشاب «أسامة»، الذي يجسّد شخصيته أحمد مالك.
توجد ابنة للأسرة تدرس في الجامعة نفسها التي يدرس فيها الشاب المتطرف، فيتقرّب منها متظاهرًا بالحب، ثم يقرر زيارة منزل أسرتها بحجة رغبته في خطبتها. لكنه سرعان ما يدخل في سجال فكري حاد مع الأب، قبل أن تتكشف تدريجيًا حقيقة أفكاره ونواياه.
وهنا يقدم الفيلم قراءة درامية ونفسية للأنماط الذهنية التي يمكن أن تقود إلى التطرف؛ فالشاب لا يدخل المنزل في صورة شخص خطر، بل يظهر أولًا في هيئة شاب هادئ، مهذب، قادر على الحديث وكسب ثقة الآخرين. ثم يتحول الحوار شيئًا فشيئًا إلى صراع فكري، قبل أن يسقط القناع وتظهر خلف المظهر الهادئ أفكار متطرفة ورغبة في السيطرة والإخضاع، وصولًا إلى محاولة قتل صاحب المنزل وأسرته.
ولا أقول إن الجاني في واقعة التجمع نسخة طبق الأصل من شخصية «أسامة» في الفيلم، كما لا يجوز استباق نتائج التحقيقات أو الجزم بالدوافع الحقيقية وراء الجريمة. لكن التأمل في البنية النفسية والسلوكية لبعض الجرائم الأسرية العنيفة يطرح تساؤلًا مهمًا حول المسافة الفاصلة بين الأفكار المتطرفة والسلوك الإجرامي، وحول الطريقة التي يمكن بها لأفكار مغلقة أن تتحول، في بعض الحالات، إلى مبررات للعنف.
فالتطرف والعنف ليسا دائمًا في صورة نمطية لشخص يحمل سلاحًا أو يرفع شعارًا متشددًا. أحيانًا يبدأ الأمر بفكرة، ثم تتحول الفكرة إلى قناعة مغلقة، ثم تتحول القناعة إلى مبرر، وقد يصل الإنسان إلى مرحلة يقنع فيها نفسه بأن ما يفعله حق أو ضرورة أو وسيلة لتحقيق غاية.
ومن هنا يمكن أن نفهم أن الفن ليس مجرد حكاية نراها على الشاشة، بل قد يكون أحيانًا مرآة تستبق الواقع، أو على الأقل تضع أمامنا أسئلة عن الإنسان والمجتمع لا ندرك أهميتها إلا عندما تقع مأساة حقيقية.
لقد هزّت جريمة أسرة التجمع الضمير المصري، ليس فقط بسبب بشاعتها وسقوط ضحايا من أسرة واحدة، وإنما أيضًا لما تحمله من معنى صادم يتعلق بانهيار حاجز الأمان داخل المكان الذي يفترض أن يكون أكثر الأماكن أمنًا: البيت.
لقد كانت إحدى الرسائل الأساسية التي يطرحها فيلم «الضيف» أن الخطر لا يأتي دائمًا مرتديًا ثياب الخطر. فقد يأتي في صورة إنسان أنيق، متعلم، هادئ، يعرف كيف يتحدث، وكيف يكسب ثقة الآخرين، وكيف يدخل إلى الدائرة الآمنة دون أن يثير الشك.
وهنا تكمن خطورة الفكرة.
فأكثر ما يثير الرعب في الجرائم التي تقع داخل الأسرة ليس عدد الضحايا فقط، وإنما انهيار الثقة نفسها. فالبيت هو آخر مكان يتوقع الإنسان أن يأتيه منه الموت، والشخص الذي يدخل حياة أسرة أو يقترب منها ويحصل على ثقتها، ثم يتحول هذا القرب إلى وسيلة للإيذاء أو القتل، لا يقتل الأشخاص وحدهم، وإنما يهدم شيئًا أعمق: الثقة بين الإنسان والإنسان.
ومن هذه الزاوية تحديدًا يمكن أن يبدو التشابه الرمزي مع فيلم «الضيف» لافتًا، دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود تطابق بين أحداث الفيلم والجريمة الواقعية أو بين دوافع شخصيات العمل الفني ودوافع مرتكب الجريمة.
وهنا علينا أن نتوقف طويلًا أمام مسؤولية المجتمع.
فنحن لا نواجه الجريمة بالسلاح والقانون وحدهما، رغم أهميتهما، وإنما نواجه جذورها أيضًا: ثقافة العنف، وتبرير القوة، واحتقار الآخر، ورفض الاختلاف، وتحويل الإنسان المختلف إلى خصم، ثم تحويل الخصم إلى عدو، وصولًا إلى اعتبار إيذائه أو القضاء عليه أمرًا مشروعًا.
فالقاتل لا يولد قاتلًا بالضرورة، وإنما قد تتراكم داخله أفكار ومشاعر ومبررات حتى يصبح قتل الآخر، في نظره، أمرًا يمكن التفكير فيه، ثم التخطيط له، ثم تنفيذه.
ولهذا فإن مواجهة الجريمة تبدأ قبل لحظة الجريمة بكثير.
تبدأ في الأسرة، عندما نعلّم أبناءنا أن الاختلاف ليس عداوة.
وتبدأ في المدرسة، عندما نربي العقل قبل أن نحشو الذاكرة.
وتبدأ في المؤسسات الدينية، عندما نؤكد أن الإيمان لا يمكن أن يكون مبررًا لإراقة الدماء أو الاعتداء على الآخرين.
وتبدأ في الإعلام والثقافة، عندما نرفض تحويل العنف إلى بطولة، والانتقام إلى شجاعة، والقتل إلى وسيلة لحل الخلافات.
فالعدالة تعاقب القاتل، لكنها وحدها لا تكفي.
والأمن يطارد الجريمة، لكنه وحده لا يكفي.
والكاميرات والأسوار والأبواب المغلقة قد تحمي الأجساد، لكنها لا تحمي المجتمع من الأفكار المسمومة.
نحن في حاجة إلى شيء أعمق: أن نبني إنسانًا لا يرى في قتل الآخر حلًا، ولا يرى في اختلافه تهديدًا، ولا يرى في العنف بطولة.
فالجدران قد تحمي البيوت، لكن الوعي هو الذي يحمي المجتمع.
وربما كانت أقسى مفارقات المأساة أن الفيلم نفسه يحمل عنوان «الضيف»؛ فالضيف في ثقافتنا العربية رمز للكرم وحسن الاستقبال والثقة، بينما يمكن أن يتحول دخول الغريب إلى البيت، في ظروف استثنائية، من لحظة ترحيب إلى لحظة خطر.
وبين الفيلم والواقع يأتي السؤال ؟ كيف وصل الإنسان إلى اللحظة التي أصبح فيها الآخر، حتى لو كان أقرب الناس إليه، هدفًا للعنف؟
ذلك السؤال أهم من مجرد البحث عن التشابه بين فيلم وجريمة؛ لأنه يقودنا إلى السؤال الأكبر: كيف نحمي الإنسان من الأفكار التي تنزع عن الآخر إنسانيته، وتحول الاختلاف إلى عداوة، والعداوة إلى عنف؟
ربما هنا تحديدًا تكمن قيمة الفن: أن يجعلنا نرى الخطر قبل أن يصل إلى أبوابنا، وأن يضع الأسئلة الصعبة أمام أعيننا قبل أن يتحول الواقع إلى مأساة

د.القس جرجس عوض فيلم «الضيف» وجريمة أسرة التجمع ابراهيم عيسى الجارديان المصريه