الإثنين 17 أغسطس 2026 12:41 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

شحاته زكريا يكتب: هناك شيء ناقص في الصورة

الكاتب الكبير شحاتة زكريا شح
الكاتب الكبير شحاتة زكريا شح

ليست كل الأشياء التي تتغير أمام أعيننا تتغير بالقدر نفسه داخلنا.. قد يتبدل الطريق وتتسع المدرسة وتتطور الوحدة الصحية ويظهر مركز خدمة جديد وتتحسن المرافق.وتتغير ملامح قرية أو مدينة بصورة واضحة، ثم نسأل بعد سنوات: ماذا تغير في حياة الناس فعلا؟ السؤال ليس تشكيكا في قيمة ما تحقق ولا تجاهلا لما تبذله الدولة من جهود في مشروعات التنمية وتحسين الخدمات. لكنه سؤال ضروري حتى لا نقيس التنمية بما نراه فقط بينما نغفل ما يفترض أن تتركه هذه التنمية من أثر في الإنسان والمجتمع.. فربما تكون هناك أشياء كثيرة اكتملت في الصورة لكن شيئا مهما لا يزال يحتاج إلى مزيد من الاهتمام.. إن بناء المكان أسهل نسبيا من بناء السلوك.. يمكن أن تنشئ مدرسة في وقت محدد لكن بناء ثقافة تحترم التعليم يحتاج إلى سنوات. ويمكن أن تطور مركز شباب لكن تحويله إلى مساحة حقيقية لاكتشاف المواهب وبناء الشخصية يحتاج إلى إدارة واعية وشباب راغب في المشاركة. ويمكن أن تحسن الخدمات لكن الحفاظ عليها والاستفادة منها مسؤولية مشتركة بين الدولة والمواطن.. وهنا تظهر القضية في صورتها الحقيقية: التنمية لا تكتمل عندما يتغير المكان فقط وإنما عندما يتغير الإنسان الذي يعيش فيه.. لقد أصبح من الطبيعي أن ننظر إلى المشروعات باعتبارها علامات واضحة على التقدم وهذا أمر مفهوم فالمشروع له موعد وتكلفة ونسبة تنفيذ وافتتاح. أما أثره الاجتماعي فلا يمكن قياسه بهذه السهولة.
ما الذي حدث بعد افتتاح المدرسة؟
هل تحسن مستوى التعلم؟
ما الذي حدث بعد تطوير مركز الشباب؟
هل زادت ممارسة الرياضة واكتُشفت مواهب جديدة ووجد الشباب مساحة حقيقية للتعلم والمشاركة؟
ما الذي حدث بعد تحسين الخدمة؟
هل أصبح المواطن أكثر قدرة على التعامل معها وأكثر حرصا على الحفاظ عليها؟
هذه الأسئلة لا تنتقص من الإنجاز بل تمنحه معناه الحقيقي.
فالإنجاز ليس في أن نبني شيئا فقط وإنما في أن يصبح ما بنيناه قادرا على تغيير حياة الناس إلى الأفضل.. ولعل هذا هو أحد أهم التحديات في المرحلة المقبلة: الانتقال من مفهوم التنمية باعتبارها مشروعات إلى التنمية باعتبارها أثرا مستمرا وهذا الانتقال يحتاج إلى إعادة النظر في أدوار كثيرة.. الأسرة لها دور، والمدرسة لها دور، والإعلام له دور، والمؤسسات الدينية والثقافية والشبابية لها دور، والمواطن نفسه له دور لا يمكن تجاهله.. فالدولة تستطيع أن توفر الإمكانات لكنها لا تستطيع أن تستخدمها بدلا من المواطن.
وتستطيع أن تفتح أبواب الفرص لكنها لا تستطيع أن تجعل كل فرد يستفيد منها بالقدر نفسه...وتستطيع أن تنشئ مؤسسات قوية لكن نجاح هذه المؤسسات يتوقف أيضا على الكوادر التي تديرها وعلى المجتمع الذي يتفاعل معها.
وهنا تحديدا يصبح الحديث عن الوعي أكثر من مجرد شعار.
الوعي أن يعرف المواطن أن المرفق العام ليس ملكا مجهولا وأن المدرسة ليست مبنى فقط وأن مركز الشباب ليس ملعبا فحسب وأن الشارع الذي تدفع الدولة الملايين لتطويره ليس مكانا نلقي فيه المخلفات.. الوعي هو أن تتحول العلاقة مع الدولة من انتظار الخدمة فقط إلى المشاركة في إنجاحها والحفاظ عليها...وهذه ليست مسؤولية المواطن وحده أيضا.
فالمؤسسات مطالبة بأن تقترب من الناس وأن تفهم احتياجاتهم وأن تقيس نتائج ما تقدمه وأن تراجع نفسها باستمرار. لأن المؤسسة التي تكرر الأسلوب نفسه رغم تغير احتياجات المجتمع قد تؤدي واجبها إداريا لكنها لا تحقق بالضرورة أثرا حقيقيا.. ومن هنا تأتي أهمية الشباب.
فالشاب الذي يحصل على فرصة تعليم أو تدريب أو ممارسة رياضية أو نشاط ثقافي لا ينبغي أن يكون مجرد مستفيد من الخدمة، وإنما يمكن أن يكون شريكا في تطويرها.
نحن لا نحتاج فقط إلى أماكن أكثر وإنما إلى أدوار أكثر تأثيرا نحتاج إلى مركز شباب يستطيع أن يكتشف موهبة قبل أن تضيع ومدرسة تكتشف طالبا قبل أن يفقد شغفه ومؤسسة ثقافية تمنح الشاب مساحة للتعبير وبرنامج تدريبي يحول الطاقة إلى مهارة وفرصة تجعل الشاب يشعر بأن المجتمع لا يطالبه فقط وإنما يفتح له الطريق أيضا.
فالتنمية التي لا تنتج إنسانا أكثر قدرة على التعلم والعمل والمشاركة تظل بحاجة إلى خطوة أخرى حتى تكتمل.
ولا يعني ذلك أن كل شيء يجب أن يتغير في وقت واحد. فالمجتمعات لا تتغير بقرار واح والدولة لا تستطيع أن تعيد تشكيل السلوك الاجتماعي بين ليلة وضحاها.
التغيير الحقيقي تراكمي.. مشروع ينجح ثم مؤسسة تحسن أداءها ثم مدرسة تطور أسلوبها ثم أسرة تهتم أكثر بأبنائها ثم شاب يكتشف موهبته ثم مواطن يشعر أن له دورا في المكان الذي يعيش فيه.. هكذا تتكون الصورة.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يرافق كل إنجاز جديد ليس فقط: كم كلف؟ ومتى انتهى؟ وإنما أيضا: ماذا ترك وراءه؟
كم إنسانا استفاد بصورة حقيقية؟ كم موهبة ظهرت؟
كم سلوكا تغير؟كم فرصة صنعت؟وكم مواطنا أصبح أكثر قدرة على الاعتماد على نفسه والمشاركة في مجتمعه؟
هذه هي الأسئلة التي تنقلنا من حساب حجم الإنجاز إلى حساب قيمته.. فربما لا يكون الشيء الناقص في الصورة مشروعا جديدا نضيفه إلى قائمة المشروعات وإنما أثرا نحتاج إلى أن نراه بوضوح أكبر.. لقد قطعنا مسافات مهمة في طريق بناء المكان وتحسين الخدمات لكن الطريق لا ينتهي عند هذه النقطة.. فالغاية النهائية من كل تطوير ليست أن يصبح المكان أجمل فقط وإنما أن تصبح حياة الإنسان أفضل وقدرته أكبر ووعيه أعمق وفرصه أوسع.. وعندما يتحول الإنجاز من شيء نراه إلى قيمة نعيشها عندها فقط يمكن أن نقول إن الصورة اكتملت.فالسؤال الأهم في التنمية ليس: ماذا بنينا :بل: ماذا صنع ما بنيناه في الإنسان؟
وربما تكون الإجابة عن هذا السؤال هي الخطوة التالية التي تستحق أن ننشغل بها.

شحاته زكريا هناك شيء ناقص في الصورة الجارديان المصريه