الإثنين 17 أغسطس 2026 01:40 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

ضاحى عمار يكتب: بين الخيانة والدم.. هل كان محمد يدافع عن شرفه أم يهدم حياته؟

الكاتب الكبير ضاحي عمار
الكاتب الكبير ضاحي عمار

لم تكن الصدمة في تلك القضية أن رجلاً اكتشف خيانة زوجته فحسب، وإنما في اللحظة التي تحولت فيها الصدمة إلى غضب، والغضب إلى قرار، والقرار إلى ثلاث جرائم قتل غيّرت حياة أسرة كاملة في دقائق. رجل عاد من ليبيا، كما يقول في روايته أمام جهات التحقيق، بعدما وصلته مقاطع مصورة نسبت إلى زوجته، فلم يعد إلى بيته حاملاً الهدايا والاشتياق، وإنما عاد وفي رأسه سؤال واحد: كيف يمكن أن يواجه ما شاهده؟
محمد، البالغ من العمر 28 عاماً، من محافظة سوهاج، يروي أنه كان يعمل في ليبيا منذ سنوات، ويرسل ما يكسبه إلى زوجته لتدبير شؤون المنزل. وبحسب أقواله التي ما زالت محل فحص وتحقيق، تلقى اتصالاً من شقيقه أخبره خلاله بوجود مقاطع مصورة، وأرسل إليه روابط لمشاهد قال إنها تظهر زوجته برفقة صاحب ورشة ميكانيكا مستأجر للمحل أسفل منزل الأسرة، وبصحبة أحد العاملين معه.
لم تكن المفاجأة بالنسبة إليه في مجرد وصول مقطع واحد، وإنما في تعدد المقاطع وانتشارها عبر الإنترنت، وفقاً لما ورد في روايته. وبين لحظة وأخرى، وجد الرجل نفسه أمام واقع لم يكن مستعداً له، بينما كان بعيداً عن منزله وآسرته وآلاف الكيلومترات تفصل بينه وبين المكان الذي بدأت فيه القصة.
وبحسب ما نسب إليه في التحقيقات، لم يفكر طويلاً، وحجز أول رحلة عائداً إلى مصر، بعدما سيطر عليه الغضب والرغبة في الانتقام. وهنا بدأت اللحظة الأخطر في القضية؛ لحظة انتقل فيها الأمر من صدمة وخيانة مزعومة إلى دماء لا يمكن إعادتها إلى أصحابها.
العودة التي انتهت بالمأساة
تقول الرواية المنسوبة إلى المتهم إنه توجه فور وصوله إلى المحل الموجود أسفل المنزل، حيث وقعت مواجهة مع الميكانيكي انتهت بمقتله باستخدام سلاح أبيض، ثم صعد إلى المنزل والتقى زوجته.
وهناك، وفقاً لما جاء في أقواله، وقعت الجريمة الثانية، حيث قتل زوجته أيضاً باستخدام السلاح نفسه.
ولم تتوقف المأساة عند هذا الحد، إذ تشير الرواية إلى أن العامل الذي كان يعمل مع الميكانيكي كان موجوداً في المكان، وأن محمد اعتدى عليه كذلك، لتنتهي المواجهة بمقتل ثلاثة أشخاص.
الأكثر إثارة في روايته أنه لم يحاول الهرب بعد ذلك، وإنما جلس أمام المنزل، وانتظر وصول الشرطة، قبل أن يتم القبض عليه.
لكن ما يقوله المتهم ليس حكماً قضائياً، وما يرويه في التحقيقات لا يصبح حقيقة نهائية لمجرد وروده في أقواله؛ فالرواية الكاملة لا تزال مرتبطة بما ستكشفه التحقيقات من أدلة وشهادات وتقارير فنية، ثم بما تقرره النيابة والمحكمة المختصة.
من الضحية ومن الجاني؟
هنا تتعقد القضية بصورة أكبر.
فالمتعاطفون مع محمد يرون أنه تعرض لصدمة قاسية، وأن ما نسبه إلى زوجته ومن معها دفعه إلى الانهيار وفقدان السيطرة، بينما يذهب آخرون إلى الاتجاه المعاكس تماماً، مؤكدين أن الخيانة، حتى لو ثبتت، لا تمنح صاحبها الحق في إنهاء حياة أحد.
وبحسب ما ورد في الرواية المتداولة عن التحقيقات، بدأت القصة بعلاقة بين الزوجة والميكانيكي، قيل إنها صُورت من دون علمها، ثم استُخدمت المقاطع لاحقاً للضغط عليها وإجبارها على الاستمرار، قبل أن تتسع دائرة الاستغلال لتشمل العامل الآخر، وصولاً إلى تهديدها بنشر المقاطع.
وتتحدث الرواية كذلك عن ابتزاز مالي، وأن أموال الزوج التي كان يرسلها من ليبيا أصبحت، بحسب هذه الأقوال، جزءاً من دائرة الابتزاز، حتى نفدت الأموال.
وإذا ثبتت هذه الوقائع أمام القضاء، فإن القضية لن تكون مجرد حكاية خيانة زوجية، وإنما ستتضمن اتهامات بالابتزاز والتصوير والنشر والاعتداء وانتهاك الخصوصية، وهي أفعال لكل منها تكييفها القانوني وعقوباتها وفق الأدلة التي تثبتها التحقيقات.
الشرف لا يبرر الجريمة
المعضلة الحقيقية في هذه القضية ليست فقط في معرفة من أخطأ أولاً، وإنما في السؤال الذي يفرض نفسه على الجميع: ماذا يفعل الإنسان عندما يتعرض لأكبر صدمة في حياته؟
الغضب مفهوم، والصدمة مفهومة، والشعور بالمهانة قد يكون قاسياً إلى درجة يصعب معها التفكير بهدوء. لكن هناك فارقاً هائلاً بين أن يشعر الإنسان بالألم وبين أن يحول هذا الألم إلى جريمة قتل.
كان أمام محمد، إذا صحت الرواية وثبتت الخيانة، طرق أخرى كثيرة؛ كان يستطيع الانفصال، واللجوء إلى القانون، ومواجهة من تسببوا في الأذى بالوسائل المشروعة، وترك القضاء يقول كلمته.
أما أن تتحول الصدمة إلى ثلاث جثث، فهنا لم يعد الأمر دفاعاً عن الشرف، وإنما أصبح مأساة جديدة أضيفت إلى مأساة أخرى.
والأخطر أن القتل لا يعيد كرامة مهدرة، ولا يمحو مقطعاً منشوراً، ولا يصلح أسرة، ولا يداوي جرحاً. إنه فقط يفتح أبواباً جديدة من الألم، ويترك وراءه أطفالاً وأهالي وأسراً ستعيش بقية حياتها مع نتائج قرار اتُخذ في لحظة غضب.
هل كان محمد بطلاً؟
هذه هي النقطة التي يجب التوقف عندها بعيداً عن الانفعال.
محمد ليس بطلاً لأنه قتل، وليس من الصواب أن تتحول جريمة قتل إلى بطولة لمجرد أن خلفها قصة خيانة مزعومة. وفي المقابل، فإن تقييم ما حدث يجب أن يظل مرتبطاً بما ستثبته التحقيقات والمحكمة، لا بما تقوله مواقع التواصل أو ما يتناقله الناس.
حتى لو ثبتت الخيانة والابتزاز وكل ما ورد في الرواية، فإن ذلك لا يجعل القتل حلاً مشروعاً.
قد يتعاطف الإنسان مع رجل تعرض للغدر، لكنه يستطيع في الوقت نفسه أن يرفض الجريمة التي ارتكبها. التعاطف مع الألم شيء، وتبرير الدم شيء آخر تماماً.
وفي النهاية، لا توجد خيانة تساوي حياة، ولا فضيحة تمحوها جريمة قتل، ولا لحظة غضب تستحق أن يخسر الإنسان بسببها مستقبله وحريته وحياته كلها.
القضية الآن أمام جهات التحقيق، والأدلة هي التي ستحدد ما حدث فعلاً، والمحكمة وحدها صاحبة الكلمة النهائية في المسؤولية والعقوبة.
لكن السؤال الذي يبقى بعيداً عن أوراق القضية وأحكامها أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى:
لو كنت مكان محمد، واكتشفت أن أقرب إنسانة إليك خانتك وجرى ابتزازها وتصويرها ونشر المقاطع، هل كنت ستفعل ما فعله؟ أم كنت ستختار طريق القانون والطلاق والمواجهة دون أن تقتل أحداً؟
هل كان محمد قد دافع عن شرفه كما يرى البعض، أم أنه خسر كل شيء عندما سمح للغضب أن يقوده إلى الدم؟

ضاحى عمار مقالات ضاحي عمار بين الخيانة والدم.. هل كان محمد يدافع عن شرفه أم يهدم حياته؟ الجارديان المصريه