الثلاثاء 18 أغسطس 2026 11:42 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

د. محمد هناء الدين يكتب: قراءة في حرب البسوس

الكاتب والفنان الكبير د. محمد هناء الدين
الكاتب والفنان الكبير د. محمد هناء الدين

في الحكايات القديمة كثيرا ما تصلنا صورة مختصرة عن الرجال الذين غيروا مصائر قبائلهم فنحفظ اسم البطل وننسى التفاصيل التي صنعت سقوطه ونقف عند لحظة موته ولا نسأل كثيرا عما سبقها وربما لهذا بقي كليب في الذاكرة باعتباره الفارس الذي قتل غدرا بينما بقيت جوانب اخرى من شخصيته اقل حضورا في الحكاية الشعبية رغم انها ربما كانت مفتاح فهم كل ما حدث بعد ذلك
فكليب لم يكن رجلا عاديا وكان قوته ومكانته بين قومه سببا في ان يصبح صاحب كلمة نافذة لكن المشكلة في القوة ليست في وجودها وانما في اللحظة التي تبدأ فيها القوة بتغيير صاحبها فينتقل من رجل يقود الجماعة الى رجل يرى ان الجماعة يجب ان تتحرك وفق ارادته وهنا تبدأ حكاية كليب الحقيقيةتروي اخبار العرب ان كليبا بلغ من السلطان والمنعة انه جعل لنفسه حمى لا يتجاوزها احد وكان يتدخل في المراعي ومواطن الرعي والمياه ويمنع قومه وغيرهم من الاقتراب من بعض المواضع التي فرض عليها حمايته ولم يعد الامر مجرد رجل يحمي ارضا او ينظم موردا بل بدا في الرواية وكأن الحمى نفسه تحول الى اعلان عن القوة وكأن مجرد القدرة على المنع اصبحت دليلا على الحق في المنع
وهذه واحدة من اخطر اللحظات التي يمكن ان يمر بها اي مجتمع
حين يصبح السؤال ليس ماذا تحتاج الجماعة ولكن ماذا يريد صاحب القوةفالمرعى في ذلك الزمن لم يكن قطعة ارض جميلة يمكن الاستغناء عنها والماء لم يكن موردا ثانويا يمكن تأجيله كان المرعى حياة والماء حياة ومن يملك حق الوصول اليهما يملك جزءا من قدرة الناس على البقاء
ولهذا فان قضية الماء في حكاية كليب تبدو اكبر كثيرا من التفاصيل التي تناقلتها الروايات عن الابل والمرابع الماء هنا رمز للسلطة نفسهامن يسمح لك بالماء يستطيع ان يفرض عليك شروطا اخرى ومن يستطيع ان يمنعك من الماء يستطيع ان يجعلك تفكر الف مرة قبل ان تعترض عليه وهنا يتحول الحاكم من حارس للمورد الى صاحب للمورد ومنظم للحياة الى متحكم في تفاصيلهاوهذه النقلة الصغيرة في ظاهرها هي التي صنعت كثيرا من المآسي في التاريخ فالحاكم لا يصبح مستبدا في يوم واحديبدأ الامر عادة بمنع يراه هو ضروريا ثم بمنطقة يراها حقا له ثم بقرار يعتقد ان الناس يجب ان يقبلوه ثم يتحول الاعتراض على القرار الى اعتراض على شخصه ثم يصبح الاعتراض نفسه جريمة في نظره
وبعد ذلك لا يعود الرجل يرى من حوله مواطنين او شركاء وانما يرى تابعين وهنا يكون قد انتقل من الحكم الى التملك ولعل اجمل ما في قصة كليب انها تكشف هذه الحقيقة دون ان تحتاج الى خطبة سياسية طويلةفالرجل الذي وصل الى القمة لم يسقط منها في لحظة واحدةكان هناك طريق طويل بين صعوده وبين نهايته طريق صنعته الثقة الزائدة بالقوة والاعتقاد ان الهيبة لا تكتمل الا حين يشعر بها الجميع والخوف من التراجع لان التراجع في نظر صاحب السلطة اعتراف بالضعف لكن التاريخ يعلمنا شيئا مختلفا تماما التراجع في الوقت المناسب قد يكون قوة
والتنازل حين يكون ضروريا قد يكون حكمةوالاعتراف بالخطأ لا يهدم هيبة الحاكم بل يحميها
اما السلطة التي لا تعرف كيف تتوقف عند حدودها فتبدأ في صناعة اللحظة التي ستتوقف فيها رغما عنها
ومن هنا يمكن ان نفهم لماذا كانت حادثة الناقة اكبر من حجمها الظاهري فالناقة لم تكن هي القضية كلها
كانت مجرد لحظة اصطدمت فيها سلطة كليب بعادات الجوار وحقوق الاخرين وشعورهم بالكرامة
وعندما تتراكم هذه الاشياء يصبح الحدث الصغير قادرا على تفجير غضب كبيروهذا قانون قديم في حياة البشر
الناس لا ينفجرون دائما بسبب اخر قطرة لكن اخر قطرة تكشف ان الكأس كان ممتلئا منذ زمن
وهنا يظهر جساس في الحكاية
ولا ينبغي ان نحوله الى بطل كامل لمجرد انه وقف في مواجهة رجل متجبرفالاحتجاج على الظلم شيء والقتل شيء اخر
وقد يكون الانسان محقا في غضبه لكنه يخطئ في الطريق الذي يختاره للتعبير عنه وهذه نقطة تجعل حرب البسوس اكثر انسانية واكثر تعقيدا من الرواية التي قسمت الشخصيات الى ابيض واسود كليب لم يكن شيطانا
وجساس لم يكن ملاكا
والزير سالم لم يكن مجرد بطل ثأر
كان الجميع اسرى لمنطق اكبر منهم
منطق يقول ان الكرامة لا تسترد الا بالدم وان الدم لا يغسل الا بالدم وان التراجع عار وان التسوية ضعف
وهكذا تحولت مشكلة يمكن ان تنتهي عند حدودها الى حرب طويلة لا يكاد احد يعرف كيف بدأها ولا كيف ينهيهاوهنا تكمن مأساة البسوس الحقيقية
ان المجتمع الذي لا يجد وسيلة هادئة لتصحيح الخطأ يترك الاخطاء تتراكم حتى تصبح اكثر تكلفة من ان تعالج بسهولة
وهذه ليست حكاية قبلية فقط
انها قاعدة انسانيةتتكرر في الاسر والمؤسسات والمجتمعات والدول
كل سلطة تحتاج الى حدود
وكل قوة تحتاج الى ميزان
وكل حاكم يحتاج الى من يستطيع ان يقول له لا
ليس لان من يقول لا يريد اسقاطه بالضرورة ولكن لان غياب كلمة لا يجعل الانسان يصدق ان كل ما يفعله صواب
وربما كان هذا هو الدرس الاهم في قصة كليب
انه لم يسقط عندما ظهر جساس فقط
بل بدأت مقدمات سقوطه يوم ظن ان الهيبة تعني ان الجميع يجب ان يخافوا منه وان السيادة تعني ان كل مرعى يمكن ان يصبح حمى وكل ماء يمكن ان يصبح تحت يده وكل اعتراض يمكن ان يتحول الى تعد
وفي هذه اللحظة يصبح الحاكم اخطر على نفسه من خصومه
لان الخصم يعرف انه خصم اما المرآة المكسورة فلا تعكس لصاحبها صورته الحقيقية
ولهذا تبقى قصة كليب حية
ليس لان فيها فارس قتل وفارس ثأرولكن لانها تضع امامنا سؤالا اقدم من القبائل واحدث من هذا الصباح متى تتحول الهيبة الى رهبةومتى تتحول القيادة الى سيطرةومتى تتحول الحماية الى احتكارومتى يصبح الماء الذي كان حقا للحياة وسيلة لفرض الارادةوحين يصل الامر الى هذه النقطة لا يعود الخطر في غضب الناس وحده
الخطر الاكبر ان صاحب القوة نفسه قد لا يدرك ان المسافة بين الهيبة والسقوط اقصر مما يتصور
فكليب لم يقتل بسبب ناقة فقط
والبسوس لم تشتعل بسبب ناقة فقط الناقة كانت لحظة
اما القصة كلها فكانت عن حدود القوة
وعن ذلك الخط الرفيع الذي يفصل بين رجل يقود قومه ورجل يريد ان يجعل قومه يعيشون وفقا لارادته
وهذا الخط ربما كان قديما كما هي حكاية كليب لكنه يظل صالحا لكل زمان لان البشر يتغيرون والاسلحة تتغير والدول تتغير والازمنة تتغير
لكن شيئا واحدا لا يتغير
ان السلطة حين تنسى انها امانة تبدأ في البحث عن اعدائها بيديها
وكليب خير مثال على ذلك

محمد هناء الدين قراءة في حرب البسوس الجارديان المصريه