الثلاثاء 18 أغسطس 2026 04:34 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

محمد خليفة يكتب : صانع الانهيار

الباحث والكاتب الكبير محمد خليفة
الباحث والكاتب الكبير محمد خليفة

حين يصبح التخطيط أداة المسئول لإسقاط مؤسسته
ليس الخراب دائما نتيجة تحديد او عصف خارجى أو أزمة مالية مفاجئة وفي كثير من الأحيان لا يأتي السقوط من خصم يتربص في الخفاء بل يصنع بعناية فائقة داخل المكاتب المغلقة وعلى الطاولات التي تجرد عليها الخطط وتعقد حولها الاجتماعات إنها أقصى درجات الفساد الإداري والتخريب المتعمد أن يتحول المسئول الأول إلى "صانع الانهيار" ممتطيا جواد الانتماء المزعوم ومستخدما "التخطيط" نفسه كاداء هدم هادئ لمنظومته
تتظاهر هذه الفئة من القيادات بالحرص الشديد على التطوير ويرددون شعارات الولاء في كل محفل لكن تفاصيل القرارات اليومية والاستراتيجيات تعكس ذلك تماما إذ يبدأ السقوط المبرمج بتفريغ المؤسسة من عقولها وكفاءاتها واستبعاد كل من يحمل فكرا حقيقيا أو غيرة صادقة على كيانها ليفتح الباب على مصراعيه للأتباع والسطحيين فتتحول البيئة الإدارية من مساحة للإبداع إلى مستنقع طارد للخبرات تفقد فيه المنظومة قدرتها على التطور والمنافسة وتغدو مجرد هيكل خاو بلا روح
ولا يتوقف الأمر عند تجريف الكوادر بل يمتد إلى ممارسة "التخطيط الشكلي الهاش" الذي يصاغ لا لتحقيق أهداف ملموسة بل لاستنزاف الموارد وتشتيت الجهود في مظاهر براقة لا تسمن ولا تغني من جوع في وقت تترك فيه الأساسيات تتآكل بفعل التغافل المتعمد وحين يستهدف المسئول إسقاط بيته من الداخل فإنه يوجه ضربته الأوجع للهوية والرسالة صانعا قطيعة بين المنظومة وجمهورها المستهدف حتى يفقد الناس إيمانهم بما تقدمه هذه المؤسسة وتتلاشى ثقتهم بوجودها.
وإذا كان هذا السقوط كارثيا في أي قطاع فإنه يغدو جريمة مكتملة الأركان عندما يتسلل إلى المنصات المعنية بصناعة الوعي وتشكل الرأي العام فهناك حيث يفترض أن تكون الرسالة هي الموجه والأثر هو المعيار يبدو التخريب الصامت أكثر وضوحا
قد ينجح "صانع الانهيار" في إدارة مسرحية الانتماء المزعوم لفترة من الوقت مستظلا بالتقارير والخطط التي لا تساوي الحبر الذي كتبت به لكن المؤسسات الحية تظل شهادة قائمة على من بناها ومن سعى لهدمها إن حماية المنظومات من هذا الخراب الداخلي تبدأ من فك السحر عن الشعارات البراقة والتخطيط الصوري والتقييم بالأثر الميداني الحقيقي فالمؤسسات لا تسقط مطلقا بسبب قلة الإمكانيات بل بسوء نية من يتولى رسم خريطتها.

# محمد خليفة ...
مستشار التطـــوير المؤسسي وإدارة المخاطر

محمد خليفة مقالات محمد خليفة صانع الانهيار الجارديان المصريه