الأربعاء 19 أغسطس 2026 08:57 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

د/ نها راشد يكتب: حين يصبح الصدق جنونًا… والنفاق شرفًا

 د/ نها راشد
د/ نها راشد

هناك أزمنة لا تختل فيها الموازين فقط، بل تنقلب فيها الموازين تمامًا؛ فيصبح الصادق متهمًا، والشريف غريبًا، والعالم مهمشًا، بينما يجد المنافق طريقه إلى الصفوف الأولى.

في زمنٍ كهذا، قد ترى رداء الشرف يرتديه من لا شرف له، وقد ترى الظالم يجلس في مقعد القاضي، يحاكم الآخرين على أخطاء لم يرتكبوا مثلها، بينما يتناسى ما اقترفته يداه.

وقد ترى الصادق بين المنافقين، فيُتهم بأنه ساذج، أو غير واقعي، أو حتى مجنون؛ لأنه رفض أن ينافق، ورفض أن يقول ما لا يؤمن به، ورفض أن يصفق لمن لا يستحق التصفيق.

أما الشريف، فقد يجد نفسه بين المتسلقين وأصحاب المصالح، فإذا تمسك بكرامته قيل عنه: لا يفهم، لا يعرف مصلحته، جاهل، فقير، أو لا يجيد لعبة الحياة.

وهنا تبدأ المأساة…

أن يصبح التمسك بالمبدأ دليلًا على السذاجة، وأن يصبح التملق دليلًا على الذكاء.

والأكثر إيلامًا أن ترى العلم نفسه يفقد مكانته، حين يتصدر المشهد من يجيدون الكلام والظهور أكثر ممن يملكون المعرفة والخبرة.

فيصبح صاحب العلم في الخلف، بينما يتقدم من يجيد صناعة الصورة.

لا يصعد دائمًا من يستحق… بل قد يصعد من يجيد التصفيق.

لكن السؤال الحقيقي ليس: لماذا يصعد المنافق؟

السؤال هو:

كيف يعيش الشريف صاحب الكرامة في زمنٍ أصبح فيه التنازل عن الكرامة طريقًا مختصرًا للنجاح؟

كيف يحافظ الإنسان على صدقه، وهو يرى أن الكذب أحيانًا أكثر قبولًا؟

كيف يتمسك بمبادئه، وهو يرى أن أصحاب المبادئ يدفعون ثمنًا أكبر؟

وكيف يبقى الإنسان نقيًا، حين يصبح ارتداء الأقنعة أكثر سهولة من مواجهة الحقيقة؟

الحقيقة أن الشريف قد يخسر كثيرًا في الطريق…

قد يخسر فرصة، أو منصبًا، أو تصفيقًا، أو مكانًا كان يستطيع الوصول إليه لو تنازل قليلًا.

لكنه يحتفظ بشيء أهم:

يحتفظ بنفسه.

فالمنصب لا يصنع قيمة الإنسان، والشهرة لا تمنحه علمًا، وكثرة المحيطين به لا تعني أنه محبوب، والقدرة على الوصول إلى القمة لا تعني أنه يستحقها.

هناك فرق بين أن تصعد، وأن ترتفع.

قد تصعد بوساطة، أو نفاق، أو تملق، أو علاقات.

لكن الارتفاع الحقيقي لا يكون إلا بالأخلاق والعلم والمواقف.

لذلك، لا تحزن إذا اتهموك بالجنون لأنك اخترت الصدق.

ولا تحزن إذا وصفوك بالجاهل لأنك رفضت أن تتملق.

ولا تحزن إذا تأخر طريقك لأنك رفضت أن تدوس على الآخرين حتى تصل.

فليس كل من تأخر خسر، وليس كل من تقدم انتصر.

وأحيانًا يكون أعظم انتصار للإنسان أن يصل متأخرًا، لكنه يصل وهو ما زال يحمل اسمه، وكرامته، ومبادئه.

فقد يستطيع المنافق أن يخدع الناس، وقد يستطيع المطبلاتي أن يصنع لنفسه مكانًا، وقد يستطيع الظالم أن يجلس على كرسي القاضي…

لكن هناك محكمة لا يستطيع أحد أن يهرب منها:

محكمة الضمير.

وفي النهاية، قد تتغير المناصب، وتسقط الأقنعة، وينكشف الزيف، ويبقى الإنسان أمام نفسه بلا جمهور ولا تصفيق.

حينها فقط تظهر الحقيقة:

من كان شريفًا لم يكن غبيًا…

ومن كان صادقًا لم يكن مجنونًا…

ومن رفض التملق لم يكن فاشلًا…

بل كان فقط إنسانًا اختار أن يدفع ثمن كرامته، بدلًا من أن يبيعها ليشتري مكانًا بين المنافقين.

فإذا كان الصدق في زمنٍ ما يُسمى جنونًا…

فليكن جنوننا هو الصدق.

وإذا أصبح النفاق شرفًا عند البعض…

فليكن شرفنا أن نبقى كما نحن.

لأن التاريخ لا يتذكر طويلًا من صفقوا…

بل يتذكر من امتلكوا الشجاعة ليقولوا: لا.

د/ نها راشد حين يصبح الصدق جنونًا… والنفاق شرفً الجارديان المصريه