الخميس 20 أغسطس 2026 07:26 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

زكريا سليمان يكتب: من تجليات المولد النبوىّ الشريف

الكاتب الكبير زكريا سليمان
الكاتب الكبير زكريا سليمان

في مثل هذا الشهر الكريم ، كانت أيامه حبلى بمولود جديد ، بين أحشاء
السيدة آمنة بنت وهب ، إنها لا تعلم مكانته ، ولا قدره ، ولا عظمته ﷺ
ولا تعلم أنه سيكون ذا شخصية عالمية فريدة ، لا تضاهيها شخصية ،وأنه سيغير مكة من ألفها إلى يائها ، ويأخذ بأيديهم من قاع التخلف إلى
قمة التحضر ، والرقىّ ، ومن ظلمات الجهالة إلى نور العلم ، والمعرفة ، ومن تسّكع شبابها بين ربيبات الرايات الحمر إلى عالم العفّة ، والطهر ،
ومن ترنّح مخموروها إلى ثبات أجسادهم ، وسلامة عقولهم ، ومن الاقتتال لأتفه الأسباب ، إلى التسامح ، والتماس الأعذار ، ومن التعصّب الأعمى للقبلية الضيقة إلى سعة الدنيا ، ورحابها ، كما أن السيدة آمنة
بنت وهب لا تعلم أنه سيكون رسولا لرب ذلك الكون الرائع بسمائه ،
وأرضه ، وما فيهما .. إن القلم يعجز عن الكتابة عنه علما ، وخلقا ،
وفكرا .. فإذا قرأت عنه ﷺ وعن أدبياته ، فلن يشبع عقلك ، ولن ترتوى
مشاعرك ، فستضطر لقراءته مرات ، ومرات شوقا ، وحبا ، وتعلما ،
وإذا تأملت مولده الشريف ، ونشأته ، فلا ينبئان عما سيكون بذلكم القدر
، وتلكم المكانة .. فقد توفى أباه ﷺ وهو جنين فى بطن أمه ، ثم توفت
أمه بعد سنوات ست من ولادته .. يقول علماء النفس " إن الحالة النفسية للأطفال اليتامى تتأثر بعمق شديد نتيجة فقدان الرعاية الأبوية
، والحرمان العاطفى ، مما يجعله أكثر عرضة للاضطرابات النفسية ،
والسلوكية" ويؤكد ذلك المعنى علماء التربية ، فيقولون "إن الحالة النفسية التي يمر بها الأطفال اليتامى تؤثر سلبا في تحصيلهم الدراسى ، كما يكونون أكثر عدوانا على أقرانهم ، أو أكثر انعزالية عنهم" يقول كتّاب السيرة عنه ﷺ "عندما توفى أباه ، فقد كفله جده عبد المطلب بن هاشم جد الرسول ﷺ ليكون بيئة بديلة تحتويه ، وتعوضه حنان أبويه ، وما لبث أن يد المنية تمتدت إلى جد ذلك الطفل المسكين ﷺ ثم انتقل ﷺ لكفلة عمه أبو طالب ، ولم تتوقف المصائب ، بل استمرت تنهمر عليه كما ينهمر مطر السماء على الأرض ، طوال حياته ، ومن اليقين إذا كبر ذلك الطفل ، وأصبح شابا ، سيكون شخصا منعزلا عن الناس ، أو عدوانيا لهم ، أو يكون كأقرانه من شباب مكة ، حيث أنهم كانوا يترددون
بين السكر ، والعربدة ،ويتفننون في ضياع أوقاتهم ، وسلب الأروح من
الأجساد لأتفه الأسباب ، وليس لهم آمالا لها وزن ، ولا رؤية لها قيمة !
بينما الرسول ﷺ لم يكن كذلك البتة ، ولم ينخرط معهم في أعمالهم ، ولا
فواحشهم ، ولم تلوّث يديه ﷺ بدم ، بل كان ﷺ محبوبا بينهم لصدقه ،وأمانته ، وكانوا يسمّونه بالصادق الأمين ﷺ ، وقد كان ﷺ طموحا ، وذا همّة عالية ، فلم يكن عاطلا يوما ، ولا مضيعا للأوقات ، بل عمل ﷺ في رعى الغنم ، ثم عمل في التجارة ، وتمضى السنوات ، فيأخذ راية الدعوة العالمية من السماء ، ليصلح بها من في الأرض ، وأصبح رسولا لربه ، يدعو الناس بدعوة الإسلام ، ومنذ ذلك الوقت انقلبت مكة على رأسها ، فرموه بالكذب تارة ، وبالجنون تارة أخرى ، كما رموه بالسحر، وغيرها من الإشاعات الضالة ، والأكاذيب المغرضة ، ولم يكتفوا بذلك، بل آذوه هو ، وآذوا من آمن برسالته الغراء إيذاءا شديدا ! ولكنه ﷺ تحمّل ، وصبر ، وصمم لإبلاغ الناس دعوة ربه ، وأخذ يزيل عنهم لفافة الجهالة عن أعينهم ، ويرفع عنهم غبار التخلف ، والانحطاط ، شيئا فشيئا ، وينتشلهم من وحل الخرافات ، والتقاليد البالية ، مبينا لهم طريق التحضر ، والرقى ، حتى نجح في آخر المطاف ، وانتشرت دعوة الله ليست في مكة وحدها ، بل انتشرت في ربوع الجزيرة العربية بكاملها ! وهنا يجب أن تطرح بعض الأسئلة التي تحوم بعقلى : كيف امتص ذلك الطفل اليتيم الأبوين بقلبه الصغير ، تلك المحن ؟ ! وكيف تعالى عليها ، وتجاوزها ﷺ ؟ ! هل يتوقع أحد "قديما ، أو حديثا"
أن ذلك الطفل المسكين ﷺ بتلك الحالة النفسية التي مرّ بها في صغره ،
ونشأته ، وإيذاء قومه بعد بعثته ، أنه سيغيّر العرب ثلاثمائة ، وستون
درجة ؟ !

زكريا سليمان من تجليات المولد النبوىّ الشريف الجارديان المصريه