السبت 22 أغسطس 2026 09:55 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

دكتور علاء الحمزاوي يكتب : وانْسُبْ إلى قَدْرِهِ ما شِئْتَ مِن عِظَمِ ! ‏

دكتور علاء الحمزاوي
دكتور علاء الحمزاوي

ــ هذا العنوان شطر بيت من قصيدة "الكواكب الدُّريَّـة في مدح خير البرية"، والدُّريَّة المضيئة المتلألئة، ‏والقصيدة للإمام شرف الدين ‏البوصيري، وهو شاعر ‏صوفي مصري من أصل مغربي ‏نشأ في قرية بوصير ‏ببني سويف وتوفي ‏بالإسكندرية 697 هـ، وبفضل ‏هذه القصيدة وُصِف البوصيري بأنه الأستاذ الأعظم ‏لجماهير المسلمين، ‏وسبب نظمها أن أصابه شلل ‏نصفي وعجز ‏الأطباء عن شفائه، فاستشفع بها إلى ‏الله أن يعافيه، فلما ‏نام رأى النبي يمسح وجهه بيده ‏المباركة ‏ويلقي عليه بردته (عباءته)، فلما استيقظ ‏وجد نفسه مُعافَى ‏من مرضه، فأسماها البُردة، ‏والقصائد التي سُمِّيت بالبُردة في الأدب العربي ثلاث ‏اشتملت على غزل وحِكَم ومدح: الأولى: قصيدة ‏الصحابي كعب بن زهير التي ‏مطلعها "بانَت سُعادُ ‏فَقَلبي اليَومَ مَتبولُ مُتَيَّمٌ إثْرَها لم يُفَدْ مَكْبولُ"، ومنها "كُلُّ ابْنِ أُنْثَى وَإِنْ طَالَتْ سَلَامَتُهُ يَوْماً عَلَى آلَةٍ ‏حَدْبَاءَ مَحْمُولُ"، "إِنَّ الرَسولَ لَسَيفٌ يُستَضاءُ بِهِ مُهَنَّدٌ مِن سُيوفِ اللَهِ مَسلولُ"، ‏وكانت اعتذارا منه ‏لرسول الله عن ‏هجائه، وسُمِّيت بالبُردة لأن النبي ألقى عليه بُردته إعلانا بالعفو ‏عنه، والثانية: قصيدة ‏البوصيري "الكواكب الدُّريَّـة" التي مطلعها "أمِنْ تَذَكُّرِ جِيــــرانٍ بِذِي سَلَمِ مَزَجْتَ ‏دَمْعاً جَرَى مِنْ مُقْلَةٍ ‏بِدَمِ"، ومنها "فَلَا تَرُمْ بِالْمَعَاصِي كَسْرَ شَهْوَتِهَا إِنَّ الطَّعَامَ يُقَوِّي شَهْوَةَ النَّهِمِ، وَالنَّفْسُ كَالطِّفْلِ إِنْ ‏تُهْمِلْهُ شَبَّ عَلَى حُبِّ الرَّضَاعِ وَإِنْ تَفْطِمْهُ يَنْفَطِمِ"، والثالثة: ‏قصيدة أحمد شوقي التي مطلعها "رِيمٌ ‏عَلى القاعِ بَينَ البانِ وَالعَلَمِ ‏أَحَلَّ سَفكَ دَمي في الأَشهُرِ الحُرُمِ"، ومنها "صَلاحُ أَمرِكَ لِلأَخلاقِ مَرجِعُهُ ‏فَقَوِّمِ النَفسَ بِالأَخلاقِ تَستَقِمِ"، "مُحَمَّدٌ صَفوَةُ الباري وَرَحمَتُهُ وَبُغيَةُ اللَهِ مِن خَلْقٍ وَمِن نَسَمِ، وصاحبُ ‏الحَوضِ يومَ الرُّسْلُ سائلةٌ متى الورودُ؟ وجبريلُ الأَمِينُ ظَمِي"، ‏وأسماها نهج البُردة اقتداء بالبوصيري، ‏وتُعَدُّ بُـردة البوصيري هي ‏الأشهر؛ لأنها أفضل ما نُظِم في الأدب العربي في مدح ‏النبي لدرجة أن دأب ‏بعض المسلمين في بلاد ‏كثيرة على قراءتها، وعقدوا لها ‏مجالس عُرفَت بـ"مجالس ‏الصلاة على النبي".‏
ــ ومن مدح البوصيري للنبي "هُوَ الْحَبِيبُ الَّذِي تُرْجَى شَفَاعَتُهُ لِكُلِّ هَوْلٍ ‏مِنَ الْأَهْوَالِ مُقْتَحَمِ، فَاقَ ‏النَّبِيِّينَ فِي خَلْقٍ ‏‏وَفِي خُلُقٍ وَلَمْ يُدَانُوهُ فِي عِلْمٍ وَلَا كَرَمِ، وَكُلُّهُمْ مِنْ رَسُولِ اللهِ ‏مُلْتَمِسٌ غَرْفًا مِنَ الْبَحْرِ أَوْ ‏رَشْفًا مِنَ الدِّيَمِ، ‏‏وَمَبْلَغُ الْعِلْمِ فِيهِ أَنَّهُ بَشَرٌ وَأَنَّهُ خَيْرُ خَلْقِ اللهِ كُلِّهِمِ، فَانْسُبْ ‏إِلَى ذَاتِهِ مَا شِئْتَ مِنْ ‏شَرَفٍ وَانْسُبْ إِلَى ‏‏قَدْرِهِ مَا شِئْتَ مِنْ عِظَمِ"، والمعنى أن النبي هو الحبيب الذي يرجو كل الخلق شفاعته ‏من أهوال ‏‏القيامة، ولن ينالها إلا المؤمنون، والنبي هو أفضل النبيين في خِلقته وأخلاقه وكرمه وعلمه، ‏‏‏وأن الأنبياء وغيرهم يلتمسون من علمه وخُلقه ما يشاءون؛ فهو بحر يغرفون منه بأيديهم وهو مطر ‏‏‏يرتشفون منه بأفواههم، فالدِّيَم جمع ديمة وهي قطرات المطر الدائم، والرشف الشُّرب القليل بالفم، ‏والنبي له من الشرف والعظمة أرفع درجات الكمال؛ فيطلب منا الشاعر أن نمدحه بأعلى ‏‏مظاهر ‏المدح فننسُب إلى أصله ونسَبه أعظم فضل وشرف، ونصف قدْره بأعلى درجات العظمة ‏‏والجلال، ولا ‏مبالغة ولا إطراءَ في ذلك؛ لأن شرف النبي أعظم وقـدْره أجـلُّ من أن يُحاط بهما، وكُرِّر الفعل "انسُبْ" ‏للتأكيد على ‏‏كثرة الصفات التي يستحقها رسول الله؛ فحـقٌّ له علينا أن نمدحه ‏ونثني عليه ونحتفل ‏بمولده فرحا. ‏
ــ فقد كان مولده نورا حسيا ومعنويا، ففي ليلةِ مولدِهِ رأتْ أُمُّـهُ نورا خرج منه أضاء السماء، ‏‏‏وكانت ‏بعثته نورا أزال ظلمة الشرك وأنار للناس طريق الحق، قال ربنا: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ ‏‏‏وَكِتَابٌ ‏مُبِينٌ}، وقال الله له: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ ‏‏‏وَسِرَاجًا ‏مُّنِيرًا} السراج المصباح، فكان النبي سراجا منيرا كالقمر، وليس سراجا وَهَّاجا كالشمس؛ لأن ‏‏السراج ‏‏المنير ينفع بنوره، لكن السراج الوهَّاج ينفع وقد يضر إذا زادت حرارته؛ فصار ‏الفرح بمولده ‏‏واجبا، ‏والاحتفال تعبير عن الفرح، وكان النبي يصوم يوم الإثنين احتفالا بمولده؛ حيث قال: «ذَاكَ يَومٌ ‏‏وُلِدتُ ‏فِيهِ»، وجَـدُّه عبدالمطلب رأى في المنام أنه رُزِق ‏بمولود يحمَده أهل الأرض والسماء، فلما وُلِد ‏‏النبي سَمَّاه ‏مُحمَّدا فرحا بمولده، والنبي هو أول مَن سُمِّي محمَّدا ‏وأول مَن سُمِّي أحمد في العرب، ومحمَّد ‏‏صيغة مفعول ‏للمبالغة تدل ‏على كثرة الحامدين للنبي، وأحمد صيغة تفضيل للمبالغة تدل أن النبي هو ‏‏‏أكثر الناس ‏حمدا لله.‏
ــ والاحتفال بمولده سلوك مجتمعي محمود، ويتحول إلى عبادة إذا قصد المؤمن منه الثناء على ‏رسول الله ‏‏‏بكثرة الصلاة عليه، فقد «قال رجل: يا رسولَ اللهِ أَجْعَلُ ثُلُثَ صَلاتِي عليكَ؟ قال: نَعَمْ إنْ ‏شِئْتَ، ‏‏قال: ‏الثُّلُثَيْنِ؟ قال: نَعَمْ، قال: فَصَلاتِي كلَّها؟ قال: إذن يَكْفيكَ اللهُ ما أَهَمَّكَ من أَمْرِ دُنْياكَ ‏‏‏وآخِرَتِكَ»، ‏ويصير الاحتفال بمولده مطلوبا لمَّا يذكِّرنا بسيرته العطرة؛ فنزداد بها إيمانا وتثبيتا، كما ثبَّتَ ‏‏ربنا قلب ‏النبي بقصص الأنبياء، فقال له: {وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا ‏نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ}، ‏‏ونحن أولى ‏أن نثبّت قلوبنا بذكر سيرة نبينا، والنبي الكريم يستحق أن نحتفل به؛ لأن الله وصف علاقته ‏بنا ‏فقال: {لقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ ‏مِّنْ أَنفُسِكُمْ ‏عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} ‏‏أي منكم تعرفون نسبه ‏‏وصدقه، وقُرِئ {أَنفَسِكُم} بفتح الفاء أي أرفعكم وأشرفكم، {‏عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا ‏‏عَنِتُّمْ} يشُقُّ عليه ‏‏معصيتكم فيعذبكم الله، وهو حريص عليكم أن تدخلوا الجنة، فقال الله له: ‏‏‏‏«سَنُرضِيكَ في أمَّتِك ولا ‏نَسُوؤك»، ولن يتحقق ذلك للنبي إلا ‏بدخول الأمة الجنة، أفلا يستحق أن ‏‏نحتفل بمولده فرحا؟! ‏
ــ ويكون الاحتفال مطلوبا حينما يستهدف ‏التمسك بالسُّنّة النبوية وأنها متممة للقرآن في أحكام ‏‏‏الدين وتفصيلاته، وأنها من الذكر الحكيم نطق ‏بها النبي وحيا من السماء، قال الله: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ‏‏‏الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}، بل إن القرآن وَصَلَنا ‏عبر تلك السُّنة الشريفة التي قيَّد الله لها علماء مخلصين ‏‏‏نقلوها لنا بدقة شديدة، فأبدعوا لها عِلْما تفرَّدُوا به ‏على العلوم، هو علم "الجَـرْح والتعديل" ويُسمّى ‏‏علم ‏‏"نقــد الرجال" وهو يُعنَى بتوثيق السُّنّة، والجرح ‏وصف الراوي بالضعف أو الكذب أو عدم الثقة، ‏‏‏والتعديل يعني العدالة وهو وصف الراوي بالإتقان ‏والثقة والصدق والأمانة في النقل.‏

دكتور علاء الحمزاوي مقالات دكتور علاء الحمزاوي وانْسُبْ إلى قَدْرِهِ ما شِئْتَ مِن عِظَمِ ! الجارديان المصريه