الأحد 23 أغسطس 2026 04:36 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الحسين عبدالرازق يكتب: إعادة تدوير التفاهة!

الكاتب الكبير الحسين عبدالرازق
الكاتب الكبير الحسين عبدالرازق

بداية، وقبل أي شيء... أنا لا أطالب بمنع الضحك، ولا بمصادرة الترفيه، لا أميل إلى نظرية المؤامرة، ولا أرى في كل ترند كارثة...
من حق الناس أن تتسلى وأن تبحث عن لحظات خفيفة وسط ضغوط الحياة، ومن حقنا أيضًا أن نسأل: هل أصبح معيار نجاح المحتوى هو قدرته على الانتشار فقط؟ وهل عدد المشاهدات يكفي لكي نمنح أي موضوع هذا الحضور والاهتمام؟ عن قاع الهامور أتحدث!
لا أعرف من صاحب الفكرة، ولا يهمني أن أعرفه، فالمشكلة في رأيي ليست في صاحب الفكرة، ولا في الذين شاركوا فيها، إنما تكمن المشكلة في ظاهرة أصبحت تتكرر أمامنا بصورة لافتة: فكرة بسيطة أو موقف عابر يظهر على مواقع التواصل، ثم تتلقفه الصفحات والحسابات، فيتحول خلال ساعات إلى «ترند» يشغل كافة المساحات!
قد تكون الفكرة في بدايتها طريفة، والناس في حاجة إلى الترفيه والضحك، ولا أحد يطالب بأن تتحول مواقع التواصل إلى نشرات أخبار أو ندوات ثقافية طوال الوقت.
لكن السؤال الذي يستحق التوقف أمامه هو: متى يتحول الترفيه من لحظة خفيفة إلى حالة من إعادة تدوير التفاهة؟
ما يحدث في كثير من الأحيان أن الفكرة لا تكتفي بحضورها الطبيعي، وإنما يعاد إنتاجها عشرات ومئات المرات، ويضيف كل حساب إليها شيئًا، حتى يصبح الأصل نفسه أقل أهمية من موجة التقليد التي نشأت حوله.
وهنا لا أتحدث عن «قاع الهامور» تحديدًا باعتباره مشكلة أو خطرًا، وإنما أتحدث عن نمط أصبح مألوفًا في عالم السوشيال ميديا: أي شيء قابل للانتشار يمكن أن يتحول إلى قضية رأي عام افتراضية، ليس لأنه يحمل قيمة، وإنما لأنه حصد عددًا كبيرًا من المشاهدات والتعليقات والمشاركات.
الأخطر من كل هذا...
أن كثرة التداول تمنح أحيانًا انطباعًا زائفًا بالأهمية. فإذا رأيت الموضوع أمامك في كل مكان، قد تتصور أنه أهم مما هو عليه بالفعل، بينما الحقيقة أنه مجرد موجة رقمية، سرعان ما تظهر بعدها موجة أخرى، ثم أخرى، وهكذا ندخل في دائرة لا تنتهي من إعادة تدوير التفاهة!
السوشيال ميديا، يا سادة، ليست مرآة كاملة للمجتمع، وما يتصدرها ليس بالضرورة هو الأكثر أهمية أو الأكثر تعبيرًا عن اهتمامات الناس الحقيقية. أحيانًا يكون الأكثر إثارة للفضول، أو الأسهل في التقليد، أو الأسرع في صناعة الضحكة.
ولهذا أعتقد أننا في حاجة إلى قدر من التوازن؛ نضحك ونستمتع، نعم، لكن دون أن نسمح للترند بأن يحدد لنا وحده ما يستحق اهتمامنا، خصوصًا لو كان تافهًا!
في النهاية، سيختفي الترند الحالي كما اختفت ترندات كثيرة قبله، وسيظهر ترند جديد يأخذ مكانه.
ويبقى السؤال:
هل نستطيع أن نضحك على الترند... دون أن نسمح للترند أن يضحك على عقولنا؟
حفظ الله مصر

الحسين عبدالرازق مقالات الحسين عبدالرازق إعادة تدوير التفاهة! الجارديان المصريه