الإثنين 24 أغسطس 2026 03:00 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

شحاته زكريا يكتب: لم تعد الحروب تبدأ من الجبهات

الكاتب الكبير شحاتة زكريا
الكاتب الكبير شحاتة زكريا

كان يمكن للرجل العادي قبل عقود أن يعرف أن الحرب بدأت من صوت المدفع اليوم،ط قد تبدأ الحرب من مكان لا يسمعه أحد تبدأ من شاشة حاسوب أو من خلل في شبكة كهرباء أو من قرار مالي، أو من سفينة تغير مسارها، أو من شائعة تنتشر في دقائق، أو من خوارزمية تعرف كيف تدفع ملايين البشر إلى الخوف.. ولهذا لم يعد السؤال الأهم في الحروب الحديثة: أين تقع الجبهة؟السؤال الأصعب هو: أين تنتهي؟
فالجبهة التي كانت خطا واضحا بين جيشين أصبحت اليوم شبكة واسعة تمتد من البحر إلى السوق ومن الميناء إلى الهاتف ومن غرفة العمليات إلى وعي المواطن.. لم تختفي الدبابة ولم يصبح الصاروخ قديما ولم تفقد الجيوش أهميتها. لكن الحرب نفسها اتسعت وأصبحت أكثر قدرة على الوصول إلى الإنسان دون أن تقترب منه جغرافيا قد تقع المعركة في مكان بعيد بينما يصل أثرها إلى بيت في القاهرة أو مصنع في الإسكندرية أو متجر في قرية لا يعرف أهلها حتى أين تقع نقطة الصراع.. سعر الوقود يتحرك.. تكلفة النقل ترتفع.
بعض السلع تتأخر.. الأسواق تتوتر.. وشركات تعيد حساباتها.
كل ذلك قد يحدث لأن سفينة توقفت في ممر بحري بعيد، أو لأن دولة قررت إغلاق طريق أو لأن الخوف من نقص الإمدادات أصبح أكبر من النقص نفسه هنا نكتشف شيئا لم نكن نراه بوضوح من قبل:قد لا ترى الحرب لكنك قد تدفع ثمنها وهذه هي واحدة من أخطر سمات العالم الجديد.
لقد أصبحت الممرات البحرية جزءا من معادلة الأمن وأصبحت الطاقة ورقة ضغط وأصبحت سلاسل الإمداد سلاحا غير معلن وأصبح الاقتصاد نفسه ساحة مواجهة.
لم يعد الهدف دائمًا تدمير جيش الخصم أحيانا يكفي أن تجعل اقتصاده أكثر كلفة، أو أن تربك تجارته، أو أن تضغط على قدرته على الإنتاج، أو أن تجعله ينفق على الدفاع أكثر مما ينفق على التنمية وفي هذه الحالة لا تحتاج الحرب إلى أن تصل إلى المدن يكفي أن تصل إلى ميزانياتها وهذا يفسر لماذا أصبحت بعض المناطق التي تبدو على الخريطة مجرد ممرات بحرية ذات أهمية تفوق مساحتها بمراحل.
مضيق صغير يمكن أن يربك تجارة عالمية.. وميناء يمكن أن يؤثر في سلسلة إمداد.. وخط أنابيب يمكن أن يتحول إلى ورقة سياسية.. ومركز بيانات يمكن أن يصبح أكثر أهمية من منشأة عسكرية تقليدية.. إن العالم الحديث بنى شبكة هائلة من الاعتماد المتبادل ثم اكتشف أن هذه الشبكة نفسها يمكن أن تتحول إلى نقطة ضعف.. نحن نعيش في عالم لا تستطيع فيه دولة أن تعزل نفسها بسهولة عن بقية العالم ولهذا فإن الحرب التي تبدأ في منطقة محدودة قد تجد طريقها إلى أسواق بعيدة وإلى شركات لا علاقة لها بالصراع وإلى مواطن لم يسمع صوت طلقة واحدة.. لكن هناك جبهة أخطر من كل ذلك.. العقل.. فإذا كانت الحرب القديمة تستهدف الأرض فإن بعض حروب اليوم تستهدف قدرة الإنسان على معرفة ما يحدث على الأرض...المعلومة أصبحت سلاحا.. والشائعة يمكن أن تؤدي وظيفة صاروخ في مجتمع مرتبك.. والصورة المضللة تستطيع أن تصنع غضبا.. والخبر الكاذب يمكن أن يهز الثقة.. والحساب الوهمي يستطيع أن يكرر الكذبة حتى تبدو عند البعض حقيقة.. وهنا لا يعود المواطن مجرد متلق للأحداث.. قد يتحول دون أن يدري إلى جزء من المعركة.
ينشر معلومة لم يتحقق منها يعيد فيديو قديما باعتباره حدثا جديدا.. يصدق شائعة لأنها توافق خوفه.. ثم يساعد بنفسه على انتشار ما أراد آخرون أن ينتشر.. وهنا تصبح القدرة على التحقق من المعلومة نوعا من الدفاع الوطني.
فالوعي لم يعد رفاهية ثقافية...الوعي أصبح جزءا من الأمن.. والأمر لا يتوقف عند الشائعة.. لقد دخلت التكنولوجيا نفسها إلى قلب الصراع...الطائرات المسيّرة غيرت شكل بعض المعارك والأنظمة الذكية تستطيع تحليل كميات ضخمة من البيانات والهجمات الإلكترونية يمكن أن تعطل أنظمة حيوية دون أن يقترب المهاجم من حدود الدولة.. وهنا يظهر سؤال شديد الخطورة: إذا كانت الحرب تستطيع أن تعطل شبكة كهرباء، أو تربك الاتصالات، أو تستهدف نظامًا مصرفيا، أو تشوش الملاحة، فهل ما زلنا نستطيع أن نعرف أين تبدأ الحرب وأين تنتهي؟ربما لا.
وهذا هو التحدي الحقيقي أمام الدول فالقوة لم تعد تعني امتلاك السلاح فقط..القوة أصبحت تعني القدرة على حماية المجتمع عندما تتعرض الدولة للضغط من أكثر من اتجاه في الوقت نفسه.. أن تحمي اقتصادك .. أن تحمي بنيتك التحتية.. أن تحمي معلوماتك .. أن تحمي مؤسساتك.
أن تحافظ على ثقة الناس.. وأن تمنع الخوف من أن يتحول إلى فوضى...لأن الدولة قد تمتلك أقوى الأسلحة لكنها تظل معرضة للخطر إذا كان مجتمعها سريع الانقسام واقتصادها هشا، ومعلوماتها مكشوفة، ومواطنيها مستعدين لتصديق أي شيء...ولهذا فإن أخطر معارك المستقبل قد لا تكون تلك التي نراها في نشرات الأخبار.. قد تكون المعركة التي لا يعرف الناس أنها معركة أصلًا.. معركة على الطاقة.. معركة على البيانات.. معركة على الأسواق.. معركة على التكنولوجيا.
ومعركة على عقول الناس.. وهذا لا يعني أن العالم أصبح محكوما بالحرب، ولا أن كل أزمة مؤامرة، ولا أن كل اضطراب اقتصادي سببه صراع خفي.. لكن يعني أن فهم الأمن تغير...لم يعد الأمن مجرد حدود يحرسها الجنود.
الأمن أيضا اقتصاد يستطيع الصمود.. وشبكات تستطيع الاستمرار... ومؤسسات تستطيع العمل.. وإعلام يستطيع التحقق.. ومواطن يستطيع أن يميز بين الخبر والدعاية.
وهنا تصبح مسؤولية الدولة والمجتمع متكاملة فالدولة مطالبة بأن تحمي المعلومات وتواجه الشائعات بالحقائق والإعلام مطالب بأن يتحرى الدقة قبل السبق والمواطن مطالب بألا يكون ناقلا مجانيا لما لا يعرف مصدره لأن الكلمة في زمن الأزمات ليست دائمًا مجرد كلمة.
قد تهدئ.. وقد تربك.. وقد تحمي.. وقد تؤذي.
ولعل أخطر ما في حروب العصر أنها أصبحت أقل وضوحا.
في الحرب القديمة كان الناس يعرفون أين يقف العدو.
أما اليوم فقد يكون الخطر في معلومة، أو برنامج، أو شبكة، أو سوق، أو قرار اقتصادي، أو طريق بحري وقد لا ترى من يقف خلفه أصلا.. وهذا يجعل الحكمة أكثر أهمية من الصخب.. فليس المطلوب أن نخاف من كل شيء.
المطلوب أن نفهم أن ندرك أن عالمنا أصبح مترابطا إلى درجة تجعل الأحداث البعيدة قادرة على التأثير في حياتنا اليومية وأن الاستعداد لا يعني انتظار الحرب وإنما بناء القدرة على الصمود قبل أن تأتي فالدول لا تحمي نفسها وقت الأزمة فقطتحمي نفسها في السنوات التي تسبقها.
تبني اقتصادًا أكثر مرونة وتستثمر في التكنولوجيا وتحمي بنيتها الأساسيةوتطور إعلامها وترفع وعي مواطنيها.
وتحافظ على علاقاتها وتترك دائما أكثر من باب مفتوح عندما يضيق العالم وفي النهاية ربما يكون أكبر خطأ أن نتصور أن الحرب الحديثة أصبحت مجرد نسخة أكثر تطورا من الحرب القديمة ليست كذلك لقد تغيرت الأدوات واتسعت الجبهات وأصبح المدني العادي أقرب إلى آثار الصراع مما كان عليه من قبل.. الجندي ما زال في الخط الأمامي لكن المهندس الذي يحمي شبكة الكهرباء موجود في خط آخر.
والخبير الاقتصادي الذي يحاول حماية السوق في خط آخر.
والصحفي الذي يرفض نشر الشائعة في خط آخر والمواطن الذي يتحقق قبل أن يشارك معلومة في خط آخر كل هؤلاء بطريقة أو بأخرى يدافعون عن قدرة المجتمع على الصمود.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية في عالم اليوم ليست دائما بين من يملك صاروخا أقوى ومن يملك صاروخا أكثر...أحيانا تكون بين مجتمع يعرف كيف يصمد ومجتمع يمكن إخافته بسهولة وبين دولة تفهم أن أمنها يبدأ من اقتصادها ووعي شعبها ودولة لا تستيقظ إلا عندما تصل النار إلى بابها.
لقد تغيرت الحربأما الحقيقة التي لم تتغير فهي أن أقوى انتصار ليس أن تمنع خصمك من ضربك فقط وإنما أن تمنعه من تغيير حياتك وإرادتك وثقتك بنفسك ولهذا لم تعد الحروب تبدأ من الجبهات وحدها.. لقد أصبحت تبدأ أحيانا من حيث لا ننظر.

شحاته زكريا لم تعد الحروب تبدأ من الجبهات مقالات شحاتة زكريا الجارديان المصريه