الثلاثاء 25 أغسطس 2026 08:59 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

محمد عبدالله القاضى يفتح النار على هوامير الوطن «الهَامُورُ».. بَيْنَ مَسَارِ «مُسْتَقْبَلِ الوَطَنِ» وَالسُّقُوطِ فِي «مُسْتَنْقَعِهِ»

الكاتب والمحلل السياسي الكبير محمد عبدالله القاضي
الكاتب والمحلل السياسي الكبير محمد عبدالله القاضي

​«قَوْلُ الحَقِيقَةِ مُرٌّ مُؤْلِمٌ خَطِرٌ».. كَلِمَاتٌ لَمْ تَكُنْ يَوْماً مُجَرَّدَ عِبَارَةٍ صَاغَهَا لِسَانٌ، بَلْ هِيَ التَّشْخِيصُ الدَّقِيقُ لِحَالِ أُمَّةٍ إِذَا نَامَ فِيهَا صَوْتُ الحَقِّ، وَتَرَاعَدَتْ فِيهَا نَخْوَةُ الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ. إِنَّ الأَزْمَةَ الكُبْرَى لا تَكْمُنُ فَقَطْ فِي زَئِيرِ البَاطِلِ، بَلْ فِي سُكُونِ أَهْلِ الحَقِّ حَتَّى ظَنَّ أَهْلُ البَاطِلِ أَنَّهُمْ عَلَى حَقٍّ، وَحَتَّى خَرَجَ أَهْلُ المُنْكَرِ لِيُحَاضِرُوا فِي المَعْرُوفِ، وَيَسُوقُوا المُجْتَمَعَ نَحْوَ مَنَادِرِ السَّفَهِ وَالإِسْفَافِ.
​وَاليَوْمَ، عِنْدَ قِرَاءَةِ المَشْهَدِ الإِعْلامِيِّ وَالاجْتِمَاعِيِّ وَالاقْتِصَادِيِّ المَعَاصِرِ، نَجِدُ أَنَّ «الهَامُورَ» لَمْ يَعُدْ مُجَرَّدَ وَصْفٍ لِرَأْسِ المَالِ أَوْ النَّفُوذِ الاحتِكَارِيِّ، بَلْ تَحَوَّلَ إِلَى "تَرِنْدٍ" وَرَمْزٍ مُزْدَوِجٍ يَقِفُ كَخَطٍّ فَاصِلٍ بَيْنَ مَسَارَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ تَمَاماً:
​أَوَّلاً: «الهَامُورُ» فِي «مُسْتَنْقَعِ الوَطَنِ» (الوَجْهُ المَظْلِمُ)
يَتَجَسَّدُ «الهَامُورُ» فِي أَبْشَعِ صُوَرِهِ حِينَ يُخْتَزَلُ فِي السَّيْطَرَةِ المَادِيَّةِ الصَّرْفَةِ، وَالتِّجَارَةِ بِالغَرِيزَةِ، وَتَعْلِيبِ الرَّذِيلَةِ تَحْتَ مَسْمَيَاتٍ بَرَّاقَةٍ؛ كَـ "الفَنِّ" وَ"الحَضَارَةِ". هُنَا يَصْبَحُ «الهَامُورُ» خَطَراً يَبْتَلِعُ الثَّرَوَاتِ وَيَبْثُّ سُمُومَهُ عَبْرَ:
​الاسْتِثْمَارِ فِي السَّفَهِ: بِتَوْجِيهِ رَأْسِ المَالِ لِدَعْمِ أَنْصَافِ المَوَاهِبِ وَمَعْدُومِيهَا، وَصِنَاعَةِ ظَوَاهِرَ هَابِطَةٍ تُكَرِّسُ العُرْيَ وَالَبَلْطَجَةَ، بَيْنَمَا الفَنُّ الشَّرِيفُ بَرَاءٌ مِمَّنْ هَدَمُوا قِيَمَ البُيُوتِ.
​تَجْرِيفِ القُدْوَةِ وَالأَخْلاقِ: عَبْرَ الاسْتِغْلالِ الجَشِعِ لِعُقُولِ النَّشْءِ، وَتَفْرِيغِ أَبْنَائِنَا مِنْ قِيَمِ الكِنَانَةِ الأَصِيلَةِ، لِتَغْدُوَ الشُّهْرَةُ السَّرِيعَةُ وَالاسْتِهْلاَكُ السَّطْحِيُّ هُمَا أَقْصَى طَمُوحِ الأَجْيَالِ.
​احْتِكَارِ المَشْهَدِ: بِحِرْمَانِ الصَّوْتِ الرَّصِينِ وَالفِكْرِ البَنَّاءِ مِنَ المِسَاحَةِ الثَّقَافِيَّةِ، لِيَتَسَابَقَ جُهَّالُ الشَّاشَاتِ فِي جَلْدِ كُلِّ مَنْ يَذُودُ عَنْ الدِّينِ، وَكَأَنَّنَا نُعِيدُ سِيرَةَ قَوْمِ لُوطٍ: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾.
​ثَانِياً: «الهَامُورُ» فِي «مُسْتَقْبَلِ الوَطَنِ» (الوَجْهُ المَأْمُولُ)
فِي المُقَابِلِ، يُمْكِنُ لِـ «الهَامُورِ» أَنْ يَكُونَ دِعَامَةً لِبِنَاءِ أُمَّةٍ مَنِيعَةٍ حِينَ يَرْتَبِطُ بِالرِّيَادَةِ الوَطَنِيَّةِ وَالمَسْؤُولِيَّةِ المَجْتَمَعِيَّةِ، وَذَلِك عَبْرَ:
​بِنَاءِ الإِنْسَانِ قَبْلَ المُنْشَآتِ: أَنْ يَتَحَوَّلَ رَجُلُ الأَعْمَالِ أَوْ الكِيَانُ الاقْتِصَادِيُّ إِلَى اسْتِثْمَارٍ فِي "تَنْمِيَةِ العُقُولِ"، وَرِعَايَةِ التَّعْلِيمِ وَالفِكْرِ الَّذِي يُعَزِّزُ الهُوِيَّةَ، فَالتَّنْمِيَةُ دُونَ عُقُولٍ هِيَ حَرْثٌ فِي المَاءِ.
​حَائِطِ صَدٍّ مَعَ مُؤَسَّسَاتِ الدَّوْلَةِ: اسْتِغْلالُ النَّفُوذِ لِدَعْمِ المُنَشَآتِ الوَطَنِيَّةِ، وَقَلْبِ الأَزْهَرِ الشَّرِيفِ، وَالمُبَادَرَاتِ الَّتِي تَبْنِي اقْتِصَاداً قَوِيّاً يَقُومُ عَلَى نَخْوَةٍ وَأَخْلاقٍ صَلْبَةٍ.
​صِنَاعَةِ القُدْوَةِ: تَحْوِيلُ الثَّرْوَةِ إِلَى أَدَاةٍ لِخِدْمَةِ المَجْتَمَعِ، وَدَعْمِ الشَّبَابِ الحَقِيقِيِّ مِنْ أَصْحَابِ العِلْمِ وَالمَوْهِبَةِ، لا صُنَّاعِ "الَفَقَاقِيعِ".
​إِنَّ الخَطَرَ السِّيَاسِيَّ وَالتَّنْمَوِيَّ الأَشَدَّ لا يَكْمُنُ فِي نَقْصِ المَوَارِدِ، بَلْ فِي انْهِيَارِ الإِنْسَانِ حِينَ يَقُودُهُ «هَامُورُ الِابْتِذَالِ» نَحْوَ التَّفْرِيغِ الأَخْلاقِيِّ. كَيْفَ لِبَلَدٍ بِحَجْمِ مِصْرَ — أَرْضِ الكِنَانَةِ، وَمَهْدِ التَّارِيخِ — أَنْ تُشَوَّهَ سُمْعَتُهَا عَلَى أَيْدِي ثُلَّةٍ تصر عَلَى تَبْدِيدِ النَّخْوَةِ؟ إنَّ مَنْ يُحَارِبُ الرَّذِيلَةَ وَيَفْضَحُ جَشَعَ الهَوَامِيرِ لَيْسَ عَدُوّاً لِلدَّوْلَةِ، لا مِنْ الخَارِجِ وَلا مِنْ أَبْنَائِهَا؛ فَالـمُؤَسَّسَاتُ المَنِيعَةُ لا تَقُومُ عَلَى عُقُولٍ سَكْرَى بِالأَوْهَامِ وَأَجْسَادٍ تَعِيشُ فِي الوَحْلِ.
​وَإِنَّ مُنْطَلَقَ الإِصْلاحِ يَكْمُنُ فِي:
​تَصْحِيحِ المَفَاهِيمِ: بِكَشْفِ أَقْنِعَةِ الهَوَامِيرِ الَّذِينَ يَحْتَكِرُونَ الشَّاشَاتِ، وَتَفْكِيكِ المَقُولَةِ الـمَسْمُومَةِ الَّتِي تُسَاوِي بَيْنَ النَّقْدِ البَنَّاءِ وَالخُرُوجِ عَلَى النِّظَامِ.
​إِحْيَاءِ حِرَاسَةِ الأَخْلاقِ: بِتَضَافُرِ مُؤَسَّسَاتِ الدِّينِ وَالإِعْلامِ وَالتَّرْبِيَةِ لِرَدْعِ الإِسْفَافِ، وَرَفْعِ الغِطَاءِ عَنْ كُلِّ مَنْ يَسْتَثْمِرُ فِي هَدْمِ الثَّوَابِتِ.
​فَضْحِ المُنْتَفِعِينَ: كَمَا قِيلَ: "يَصْعُبُ عَلَيْكَ قَوْلُ الحَقِّ إِذَا كُنْتَ مُسْتَفِيداً مِنَ البَاطِلِ"؛ لِذَا فَإِنَّ بُؤَرَ الإِفْسَادِ المَالِيِّ وَتِجَارَةَ الغَرَائِزِ يَجِبُ أَنْ تُقَاوَمَ بِوَعْيٍ جَمْعِيٍّ حَاسِمٍ.
​لَنْ يَزْدَهِرَ الوَطَنُ إِلا إِذَا اسْتَعَادَتِ الأَخْلاقُ عِرْشَهَا، وَعَادَ الفَكْرُ الرَّصِينُ لِيَكُونَ هُوَ المِعْيَارَ.. فَالْحَضَارَاتُ تُبْنَى بِالْقِيَمِ وَالْعُقُولِ، وَتَسْقُطُ حِينَ تُفْسِحُ المَجَالَ لِلْمَاجِنِينَ وَالهَوَامِيرِ كَيْ يَرْتَعُوا، وَيُدَمِّرُوا العَادَاتِ وَالتَّقَالِيدَ الأَصِيلَةَ، وَيُغَيِّبُوا القُدْوَةَ الحَقِيقِيَّةَ.

f90e5096aef6.jpg
محمد عبدالله القاضى هوامير الوطن «الهَامُورُ» بَيْنَ مَسَارِ «مُسْتَقْبَلِ الوَطَنِ» وَالسُّقُوطِ فِي «مُسْتَنْقَعِهِ» الجارديان المصريه