الأحد 30 أغسطس 2026 01:06 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الحسين عبدالرازق يكتب: القاهرة بكين.. حضارة النيل والتنين!

الكاتب الكبير الحسين عبدالرازق
الكاتب الكبير الحسين عبدالرازق

العلاقة بين القاهرة وبكين تمتد لعقود طويلة، وقد كانت مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية عام 1956، ما منح العلاقة بين البلدين خصوصية تاريخية تتجاوز الحسابات السياسية.
ما يجعل الزيارة الحالية للرئيس الصيني مختلفة، أن العالم نفسه لم يعد هو العالم الذي كانت عليه العلاقات الدولية قبل عشر سنوات، عند زيارته الأولى لبلدنا.
من هذا المنطلق نقول..
ليست كل الزيارات الرئاسية سواء، فهناك زيارات تحمل في طياتها أكثر من لقاءات رسمية ومباحثات ثنائية، وهناك زيارات تأتي في توقيت يجعل منها في حد ذاتها رسالة.
من هنا، يأتي مجيء الرئيس «شي جين بينغ» إلى مصر، في أول زيارة له منذ عام 2016، وفي لحظة تشهد فيها العلاقات بين البلدين تطورًا لافتًا على المستويات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية. وقد أعلنت الرئاسة المصرية أن الزيارة تستهدف تعزيز الشراكة الاستراتيجية، إلى جانب التشاور حول عدد من القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.
الصين اليوم قوة اقتصادية وتكنولوجية كبرى، ومصر دولة محورية في الشرق الأوسط وأفريقيا، تمتلك موقعًا جغرافيًا استثنائيًا، وشبكة علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية.
من هنا، فإن الشراكة بين القاهرة وبكين لا ينبغي النظر إليها باعتبارها بحثًا مصريًا عن بديل لقوة دولية أخرى، ولا باعتبارها محاولة صينية للبحث عن موطئ قدم في المنطقة فحسب، وإنما باعتبارها علاقة تقوم في الأساس على المصالح المتبادلة، وتمنح كل طرف مساحة أوسع للحركة في عالم تتغير موازين القوى فيه بصورة متسارعة.
ولعل اللافت أيضًا، أن الطائرات الصينية وصلت إلى سماء مصر قبل أن يصل الرئيس الصيني إلى القاهرة!
فمناورات «نسور الحضارة 2026» بين القوات الجوية المصرية والصينية، وما صاحبها من تدريبات جوية مشتركة ومحاكاة للعمليات القتالية، تعكس مستوى متقدمًا من التعاون العسكري بين البلدين. هي ليست استعراضًا للقوة، بقدر ما هي تدريب وتبادل للخبرات ورفع لمستوى التنسيق بين القوات المسلحة في البلدين الصديقين.
وهنا ينبغي التوقف أمام دلالة اسم المناورة نفسه: «نسور الحضارة».
فمصر والصين ليستا دولتين تلتقيان فقط عند المصالح السياسية والاقتصادية، وإنما دولتان تنتميان إلى حضارتين ضاربتين بجذورهما في أعماق التاريخ.
حضارة مصر القديمة التي تركت آثارها في وجدان الإنسانية، وحضارة الصين التي قدمت للبشرية إسهامات هائلة في العلم والمعرفة والصناعة والثقافة.
ولذلك، فإن التعاون بين البلدين لا يجب أن يُختزل في الطائرات والمشروعات والاستثمارات، رغم أهميتها، وإنما يمكن أن يمتد إلى التعليم والبحث العلمي والتكنولوجيا والثقافة وتبادل الخبرات.
وهنا تحضر إلى الذهن العبارة الشهيرة في تراثنا: «اطلبوا العلم ولو في الصين».
ومع أهمية التنبيه إلى أن هذه العبارة لا تثبت حديثًا صحيحًا عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإن معناها المتداول يعكس قيمة راسخة في الثقافة الإسلامية: أن العلم لا تحده جغرافيا، وأن الإنسان لا ينبغي أن يتردد في طلب المعرفة حيث وجدها.
وقد ثبت في الحديث الصحيح: «طلب العلم فريضة على كل مسلم».
ولعل الصين اليوم تقدم نموذجًا يستحق أن نتعلم منه؛ دولة استطاعت خلال عقود أن تنتقل من موقع مختلف تمامًا في الاقتصاد العالمي إلى واحدة من أكبر القوى الصناعية والتكنولوجية والاقتصادية في العالم.
إن مصر اليوم، وهي تستقبل شي جين بينغ، تؤكد مرة أخرى أن القاهرة كانت، وستظل، قادرة على أن تمد جسور التعاون في كل الاتجاهات، دون أن تتخلى لحظة واحدة عن استقلال قرارها الوطني.
حفظ الله بلدنا، ونصر قائدنا وأعزنا.

الحسين عبدالرازق القاهرة بكين.. حضارة النيل والتنين الجارديان المصريه