فرحات جنيدي يكتب: علي عبد الخالق... كاميرا لا تعرف الغياب
هناك مخرجون يصنعون أفلامًا، وهناك مخرجون يصنعون ذاكرة.
وعلي عبد الخالق كان واحدًا من هؤلاء الذين لم تكن الكاميرا بالنسبة إليهم مجرد آلة تلتقط الصورة، وإنما عينًا ترى ما وراء الصورة، وتبحث عن الإنسان المختبئ خلف الحكاية.
في ذكرى رحيله، لا أريد أن أكتب عن علي عبد الخالق باعتباره مخرجًا رحل، وإنما باعتباره مخرجًا ما زالت أفلامه حاضرة، وما زالت شخصياته تتحرك أمامنا، وما زالت جمله ومشاهده وأسئلته قادرة على أن تفتح أبوابًا في ذاكرتنا كلما شاهدناها من جديد.
ولد علي عبد الخالق في القاهرة عام 1944، وتخرج في المعهد العالي للسينما قسم الإخراج عام 1966، وبدأ مشواره في السينما التسجيلية قبل أن ينتقل إلى الفيلم الروائي الطويل. وكان من أبناء جيل سينمائي جديد حمل معه رغبة في أن تكون السينما أكثر التصاقًا بالواقع والإنسان وقضايا المجتمع.
ثم جاءت لحظة الميلاد الحقيقية.
أغنية على الممر.
فيلم عام 1972 عن مجموعة من الجنود المصريين في حرب الاستنزاف، لكنه في جوهره لم يكن فيلمًا عن الحرب وحدها، بل عن الإنسان حين يجد نفسه وجهًا لوجه أمام الموت والانتظار والخوف والوطن.
كان الفيلم إعلانًا مبكرًا عن مخرج يعرف كيف يحول المكان المحدود إلى عالم كامل، وكيف يجعل الصمت أحيانًا أكثر بلاغة من الكلام.
ومن هنا بدأت رحلة طويلة مع السينما.
رحلة لم تكن مستقيمة في اتجاه واحد.
فقد استطاع علي عبد الخالق أن ينتقل من السينما الوطنية إلى السينما الاجتماعية، ومن أفلام المخابرات والجاسوسية إلى الأفلام التي تناقش الفقر والجشع والفساد والخرافة والسلطة والإنسان.
وفي الثمانينيات لمع اسمه بصورة أكبر، وقدم مجموعة من الأفلام التي أصبحت فيما بعد علامات في تاريخ السينما المصرية.
إعدام ميت...
بئر الخيانة...
فيلمان عن عالم المخابرات والصراع، لكنهما لم يعتمدا فقط على الإثارة والتشويق، وإنما قدما الشخصيات في لحظات الاختبار، حين يصبح الخطأ ثمنه العمر، ويصبح الولاء قضية حياة أو موت.
وفي إعدام ميت تحديدًا، استطاع علي عبد الخالق أن يصنع واحدًا من أشهر أفلام السينما المصرية التي تناولت عالم المخابرات، وأن يجمع بين التشويق والدراما والصراع النفسي في عمل ظل حاضرًا في ذاكرة الجمهور حتى اليوم.
ثم جاءت أفلام أخرى تكشف الوجه الآخر لهذا المخرج.
العار. الكيف. جري الوحوش.البيضة والحجر.
أربعة في مهمة رسمية.الوحل.اغتصاب.
أعمال مختلفة في موضوعاتها، لكنها تشترك في شيء واحد:
أن علي عبد الخالق لم يكن يحب أن يترك الشخصية على سطحها.
كان دائمًا يريد أن يعرف:
لماذا فعلت هذا؟
ماذا تريد؟
ما الذي تخفيه؟
وماذا يحدث للإنسان عندما تضعه الحياة أمام الاختيار الصعب؟
وفي العار والكِيف وجري الوحوش تحديدًا، شكل تعاونه مع الكاتب محمود أبو زيد واحدًا من أهم الثنائيات الفنية في السينما المصرية؛ فكانت الفكرة تخرج من الورق لتصبح عالمًا كاملًا على الشاشة.
أما الكيف، فلم يكن فيلمًا عن المخدرات فقط.
كان فيلمًا عن الوهم.
عن الإنسان الذي يبحث عن طريق مختصر إلى النجاح، وعن مجتمع يمكن أن يحول الوهم إلى حقيقة، والحقيقة إلى تجارة.
وفي البيضة والحجر اقترب أكثر من عالم الدجل والخرافة واستغلال حاجة الإنسان إلى المعرفة، بينما حمل جري الوحوش أسئلة أكبر عن العلم والمال والجسد والرغبة في تغيير القدر.
وهنا تظهر قيمة علي عبد الخالق.
لم يكن مخرجًا أسير نوع واحد.
كان يستطيع أن يصنع فيلمًا وطنيًا، ثم يذهب إلى فيلم اجتماعي، ثم إلى الكوميديا، ثم إلى التشويق، دون أن يفقد بصمته.
كانت الكاميرا هي خيطه السري.
كاميرا تعرف أين تقف.
ومتى تقترب.
ومتى تبتعد.
ومتى تترك الممثل وحده أمام الجمهور.
وربما لهذا السبب بقيت أفلامه حية.
لأن السينما الحقيقية لا تنتهي بانتهاء عرض الفيلم.
الفيلم الحقيقي يبدأ أحيانًا بعد أن تنتهي الشاشة من إضاءتها.
وفي حياة علي عبد الخالق محطة أخرى لا تقل أهمية، وهي انتقاله إلى الدراما التلفزيونية، حيث واصل العمل مع كبار الفنانين، وقدم أعمالًا متعددة، من بينها مسلسل أحلامنا الحلوة عام 2005، من تأليف مجدي صابر، وبطولة فاروق الفيشاوي وأحمد بدير ونيرمين الفقي وعلا غانم ودنيا عبد العزيز وغيرهم.
وهنا اسمحوا لي أن أخرج قليلًا من مقعد المشاهد والناقد، وأتحدث عن تجربة شخصية لن أنساها.
كان لي الشرف أن أعمل مع علي عبد الخالق ممثلًا في مسلسل أحلامنا الحلوة.
كانت تجربة مختلفة بالنسبة لي.
فأن تقف أمام مخرج صنع أغنية على الممر، وإعدام ميت، والعار، والكِيف، وجري الوحوش، ليس أمرًا عاديًا بالنسبة إلى ممثل.
هناك مخرجون تعلمك منهم وأنت تعمل.
ليس بالكلام فقط.
بمجرد وجودهم في المكان.
بعينهم.
بطريقة إدارتهم للمشهد.
وبذلك الإحساس الذي يجعلك تعرف أن خلف الكاميرا رجلًا يعرف بالضبط ماذا يريد.
وما زالت تلك التجربة بالنسبة لي جزءًا من ذاكرتي الفنية.
فأنا لم أكن أمام اسم قرأته في تترات الأفلام فقط.
كنت أمام إنسان رأيته يعمل.
ورأيت كيف تتحول خبرته الطويلة إلى تفاصيل صغيرة داخل المشهد.
رحل علي عبد الخالق في الثاني من سبتمبر عام 2022، عن عمر ناهز 78 عامًا، بعد صراع مع المرض.
لكنني لا أحب أن أتوقف كثيرًا عند لحظة الرحيل.
لأن بعض الفنانين لا يغادرون بالطريقة التي يغادر بها الآخرون.
هناك من يموت مرة واحدة.
وهناك من يبقى حيًا كلما أضاءت شاشة.
علي عبد الخالق من هؤلاء.
حين نشاهد أغنية على الممر يعود.
حين نعيد مشاهدة إعدام ميت يعود.
حين نضحك ونفكر مع الكيف يعود.
حين نستعيد العار أو جري الوحوش أو البيضة والحجر يعود.
وحين أتذكر تجربتي معه في أحلامنا الحلوة يعود أيضًا، ولكن هذه المرة من مكان آخر...
من الذاكرة الشخصية.
ولهذا، في ذكرى رحيله، لا أقول:
وداعًا علي عبد الخالق.
لأن الوداع يليق بمن انتهى.
وأنت لم تنته.
أفلامك ما زالت تعرض.
شخصياتك ما زالت تعيش.
وأسئلتك ما زالت مفتوحة.
والكاميرا التي أمسكت بها طوال هذه الرحلة لم تتوقف.
علي عبد الخالق...
كاميرا لا تعرف الغياب.
رحم الله المخرج الكبير، وغفر له












تأجيل محاكمة المتهم بانتحال صفة قاض و3 موظفين بمحكمة شمال القاهرة
السيطرة على حريق داخل مستشفي الحميات بإمبابة
مصرع 3 أشخاص وإصابة 6 في حادث تصادم بطريق شبرا بنها الحر
اليوم...محاكمة عاطل حاول سرقة سيارة بالمرج
اسعار الذهب اليوم الأربعاء فى محلات الصاغة
أسعار الفراخ والبيض اليوم الأحد 30 أغسطس 2026
أسعار الذهب اليوم الأحد فى محلات الصاغة .. عيار 24: 7222.86 جنيه...
أسعار الذهب اليوم الجمعة 28 أغسطس 2026