الأربعاء 2 سبتمبر 2026 07:27 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

منوعات

المؤتمر العالمي الحادي عشر للإفتاء: مقاربة شاملة لحماية الأسرة في عصر التحولات الرقمية

مفتي الجمهورية يطلق خارطة طريق إفتائية من أربعة أسس لمواجهة تحديات الأسرة المعاصرة

جانب من فعاليات المؤتمر
جانب من فعاليات المؤتمر

وسط تحديات غير مسبوقة تواجه مؤسسة الأسرة في العالم الإسلامي، انطلقت فعاليات المؤتمر العالمي الحادي عشر لدور وهيئات الإفتاء في العالم، تحت عنوان «التحديات الأسرية في ظل التحولات الكبرى.. مقاربة إفتائية لحماية الأسرة واستشراف مستقبلها وصيانة الهوية»، حيث حملت كلمة الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية ورئيس الأمانة العامة، رؤية استباقية شاملة تجمع بين التأصيل الشرعي والوعي بالمتغيرات الرقمية والاجتماعية المعاصرة.

استهل المفتي كلمته بالتأكيد على أن عنوان المؤتمر صِيغ في بناء منهجي دقيق يجمع أربعة محددات رئيسية: التحديات الأسرية، والتحولات الكبرى، وحماية الأسرة واستشراف مستقبلها، وصيانة الهوية. وأوضح أن اجتماع هذه المحددات في قضية واحدة يلقي على عاتق المؤسسات الإفتائية مسؤولية مضاعفة، في لحظة تاريخية تتزاحم فيها المشروعات المجتمعية وتتجاذب الإنسانَ مرجعياتٌ شتى.

وشدد على أن الهدف الأسمى يتمثل في تقديم النموذج الحضاري الإسلامي الذي أرسى كتابُ الله أصولَه وجسدت سنةُ نبيه معالمه، "لتثوب إليه مجتمعاتٌ أنهكتها الأزمات الاجتماعية في مشارق الأرض ومغاربها، وتجد فيه سبيلًا إلى استعادة توازنها وسكينتها".

وفي لفتة تجمع بين الاحتفاء بالمولد النبوي الشريف وقضية المؤتمر، أشار المفتي إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم "كان خيرَ الناس لأهله، وأقام بيته على حسن العشرة والمودة والرحمة، وضرب أكرمَ المثل في الأبوة الحانية والتربية بالرفق والحزم من غير قسوة".

وأكد أن "من أصدق الاحتفاء بمولده أن يتحول هديه الشريف إلى سلوك في بيوتنا، ومنهج في تربية أبنائنا، وميزان في إدارة خلافاتنا".

لم يكتفِ المفتي بالوصف السطحي للتحديات، بل قدم تشخيصًا معمقًا يرصد تحولات البنية الاجتماعية في العصر الرقمي، محذرًا من "السيولة الفكرية" التي تمس ثوابت الفطرة الإنسانية.

تغوّل الذكاء الاصطناعي وسحب المرجعية التربوية

أوضح فضيلة المفتي أن "الانفتاح الرقمي وتغوّل خوارزميات الذكاء الاصطناعي فرض نمطًا قيميًا يعيد تشكيل وعي الأجيال"، محذرًا من أن التقنية "لم تعد مجرد أداة، بل أصبحت في كثير من الأحايين ذراعًا لترسيخ الفردانية وعزل الإنسان داخل شرنقة افتراضية تصوغ اختياراته وتغذي أهواءه".

وأشار إلى ظاهرة خطيرة تتمثل في انتقال مساحات من المرجعية التربوية من الوالدين إلى منصات موجهة تصل إلى خصوصية البيوت وتضعف الحوار المباشر والتشاور الأسري، وتمنح الأبناء "رفقاء افتراضيين وبدائل مصطنعة لا تملك أن تمنح رحمة أو طمأنينة أو دفء انتماء".

الدارك ويب والسيولة المعرفية

وامتد تحذير المفتي إلى الفضاءات الأشد خفاء، وفي مقدمتها "الدارك ويب"، بما يتداول فيه من محتويات وممارسات تهدد أمن الأسرة وتستهدف فطرة أبنائها بعيدًا عن الرقابة المجتمعية.

وشدد على أن الخطورة تتفاقم في ظل "السيولة المعرفية" التي تتهاوى معها الحدود بين الحقيقة والزيف، والعلم والوهم، والقيمة والرغبة؛ "حتى يغدو المحتوى الأكثر انتشارًا أقدر على تشكيل الوعي من المحتوى الأكثر صدقًا ورشدًا".

مثلث التفكك

وفي تحليل عميق للآثار المترتبة على هذه التحولات، حذر المفتي من ما أسماه "مثلث التفكك": اللادين، واللاوطن، واللاأخلاق؛ أي القطيعة مع المرجعية الإيمانية، وإضعاف الانتماء الوطني، وفصل السلوك عن ضوابطه.

تسليع العلاقات وتشويه المفاهيم

ولفت المفتي النظر إلى ظاهرة "تسليع العلاقات"، حين يُختزل الإنسان في منفعته وتقاس العلاقة الزوجية بمنطق الربح والخسارة. وأوضح أن هذا المسار شوّه مفاهيم شرعية نبيلة؛ "فصُوِّرت القوامة تسلطًا لا رعاية ومسؤولية، والطاعة إلغاءً للشخصية لا تنظيمًا لشؤون الأسرة، وغابت معاني الكد والسعاية التي تحفظ للمرأة كرامتها وجهدها".

وفي المقابل، أشار إلى تصاعد الدعوات إلى العزوف عن الزواج، وتسويق العلاقات العابرة والنماذج الشاذة بوصفها بدائل موازية تحت شعار الحرية، بينما تثقل تكاليف الزواج والمغالاة في المظاهر كاهل الشباب وتضيق أمامهم سبل تكوين الأسرة.

موقف الدولة المصرية: مبادرات استباقية

أشاد المفتي بالموقف المصري الرسمي، مؤكدًا أن "الدولة المصرية أدركت مبكرًا خطورة التحديات التي تواجه الأسرة، فبادرت بتوجيهات رئاسية حاسمة لصياغة قوانين الأحوال الشخصية على نحو أكثر توازنًا وتكاملًا".

واستعرض أبرز المبادرات الحكومية في هذا السياق:

· إنشاء صندوق دعم الأسرة
· دعم الأبناء بعد الانفصال
· سرعة تنفيذ الأحكام القضائية في دعاوى النفقات ضمانًا للاستقرار المعيشي
· تعزيز برامج التأهيل المجتمعي والنفسي والمادي للمقبلين على الزواج

وأكد أن هذه الجهود تأتي "في تناغم بين مقاصد الشريعة وسياسات الدولة الرشيدة".

من الفتوى التقليدية إلى الفقه الاستباقي

وفي محور رؤيته الإصلاحية، أوضح المفتي أن دار الإفتاء المصرية، ومن ورائها الأمانة العامة، تنطلقان من إرث مؤسسي يمتد لأكثر من 130 عامًا، تدركان من خلاله أن "الفتوى ليست مجرد إجابة عن سؤال، بل هي إدارة لدفة الحياة في ضوء الوحي الشريف".

وكشف عن تحول نوعي في منهجية العمل الإفتائي، قائلًا: "لم تقف دار الإفتاء عند حدود النقل الحرفي والتكييف الفقهي بعد وقوع النزاع، بل انتقلت إلى ما نسميه الفقه الاستباقي: فقه يعالج الأسباب قبل وقوع النتائج، ويرصد المآلات، ويحصن العقول قبل أن تخترقها الشاشات".

خارطة طريق إفتائية من أربعة أسس

قدم المفتي مقاربة متكاملة لمواجهة هذه التحولات تقوم على أربعة أسس رئيسية:

أولًا: تفعيل الاجتهاد المقاصدي في شؤون الأسرة

دعا المفتي إلى استلهام الغايات الكبرى للشريعة لتحقيق العدل والتراحم، والموازنة الدقيقة بين ثوابت الدين ومتغيرات العصر.

وفي مبادرة أكاديمية نوعية، طالب بأن يكون "الاجتهاد المقاصدي في شؤون الأسرة" مادة أساسية تدرس لطلاب الشريعة في المرحلتين الجامعية والعليا، "لتخريج جيل من المفتين القادرين على تقديم فتوى رشيدة، لا تجنح إلى جمود التقليد ولا إلى شذوذ الانفلات".

ثانيًا: خوض معركة الوعي الرقمي

أكد المفتي على ضرورة إنتاج محتوى فقهي وعلمي موثوق، صحيح وميسر، بلغات متعددة، يشرح المفاهيم الأسرية بلغة معاصرة واعية بطبيعة التقنية، "ليكون مرجعية أصيلة تعتمد عليها محركات البحث وتتغذى عليها تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بدلًا من ترك الساحة للمحتوى المغلوط أو المنحاز".

وشدد على قاعدة استراتيجية: "فحماية وعي الأسرة تبدأ من حماية التغذية الرقمية التي تشكل وعي الأجيال".

ثالثًا: التصحيح الجريء للمفاهيم الأسرية الخاطئة

دعا إلى مواجهة خطابات التشدد التي تنفر الشباب، وموجات الإلحاد الرقمي التي تفكك الأخلاق، بخطاب وسطي رحيم يستلهم هدي النبي صلى الله عليه وسلم.

ويتصل بذلك تكثيف برامج التأهيل قبل الزواج والإرشاد الأسري بعده، واستعادة المساحات المشتركة للحوار داخل البيت، ووضع حدود واعية للاستخدام الرقمي؛ "حتى يستعيد الأبناء ثقتهم بمرجعية الأسرة بوصفها حصنًا للحماية والأمان".

رابعًا: إطلاق شراكات مؤسسية عابرة للتخصصات

طالب المفتي بجمع علماء الشريعة مع خبراء الاجتماع والنفس والتربية والتقنية والإعلام والقانون؛ "لأن الواقع المركب لا تعالجه حلول أحادية".

وحذر من استمرار العمل في جزر منعزلة، مؤكدًا: "لم يعد مجديًا أن تعمل المؤسسات في جزر منعزلة، بل نحتاج إلى تبادل معرفي وعقل جمعي مؤسسي يجمع أصالة النص وعمق التحليل وفهم الواقع الرقمي، تحت مظلة روح الشريعة وعدالتها".

رسالة ختامية: حماية تسبق الخطر

اختتم المفتي كلمته بتأكيد ثقل المسؤولية وجسامة المهمة، مشددًا على أن المطلوب اليوم هو "نقل الفتوى العلمية إلى أفق أرحب تلامس فيه الهموم البشرية، وفي مقدمتها بنية الأسرة؛ ضمن رؤية إفتائية مستجدة تستشرف المستقبل".

وأوضح أن هذه الرؤية يتعاضد فيها "الاستنباط الفقهي الحي المرن مع علوم الطب والنفس والاجتماع والتقنية والقانون؛ حتى نقدم حماية تسبق الخطر، وعلاجًا ينفذ إلى أسبابه، وهوية منفتحة على العصر من غير أن تذوب فيه".

خلاصة

يعكس المؤتمر العالمي الحادي عشر للإفتاء تحولًا نوعيًا في الخطاب الإفتائي المعاصر، من رد الفعل إلى الفعل الاستباقي، ومن المعالجة الفردية إلى المقاربة المؤسسية الشاملة، ومن الانكفاء على النص إلى الانفتاح على العلوم الإنسانية والتقنية.

وفي قلب هذه الرؤية تقف الأسرة بوصفها الوحدة الأساسية للمجتمع والحاضنة الأولى للهوية والقيم، وهو ما يجعل المؤتمر محطة فارقة في مسار تجديد الخطاب الديني وتطوير آلياته لمواكبة تحولات العصر الرقمي.
Shroukshaban

be662b46f909.jpg
f96c093df52e.jpg
مفتي الجمهورية مواجهة تحديات الأسرة المعاصرة الجارديان المصريه