الخميس 3 سبتمبر 2026 06:17 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

د. بهاء درويش يكتب: المفكر الحقيقى الفعال

د. بهاء درويش
د. بهاء درويش

من المفترض بشكل عام أن يكون هناك اتساق بين ما يدعو إليه المفكر وسلوكياته أو أفعاله.
المفكر صاحب رسالة، يهتم بتوصيلها لجمهوره المستهدف ويدعو إليها، ومن علامات نجاحه أن يكون له جمهور وأن يكون مقروءًا.
يرفض بعض المفكرين المعاصرين أن يكون عضوًا في مجموعة من مجموعات الواتساب، وإذا ما أدخله المسؤول عن المجموعة تجده يخرج، وكأن لسان حاله يقول: أنا لست من ضمن العوام حتى أدرج معهم في مجموعة كهذه.
أرى في هذا التصرف تناقضًا؛ إذ كيف تتمنى وتحرص على أن تكون مقروءًا، وترفض أن تندرج معهم في مجموعة مثل هذه؟
مجموعات الواتساب أصبحت الآن أدوات معرفية مهمة، خاصة إذا كانت مجموعات متخصصة؛ منها تستطيع أن تعرف عن ظهور عدد جديد من مجلة ما، ومنها تستطيع أن تكتشف أقلامًا جديدة تنشر، ومنها تستطيع أن تعرف آراءً نقدية عنك ولك.
أتذكر نجيب محفوظ، وأشرف أنني في وقت من الأوقات كنت من رفقائه في الإسكندرية عندما يأتي في الصيف. كان يذهب يوميًا إلى بائع الصحف ليشتري كل المجلات والصحف المتاحة في ذلك الوقت، حرصًا منه على أن يقرأ ما يكون قد كُتب عنه، وعلى أن يكتشف وجوهًا جديدة، وغيره.
ولم يرفض قط في يوم من الأيام مجالسة أي إنسان عادي استأذنه في الجلوس معه في مقهى بترو الذي اعتاد الجلوس فيه صباح كل يوم. وأصبحت، بعد أول قصة قصيرة كتبتها في حياتي، من جلسائه.
ومن كانوا هؤلاء الجلساء؟ كانوا قمم الفكر والإبداع في مصر مثل توفيق الحكيم، ويوسف إدريس، وثروت أباظة، وكنت أرى بنفسي إذا ما دخل محبا للثقافة وطلب الجلوس إليه، يقول له: «تفضل»، ويستمع إليه ويحاوره حوار المهتم.
فلا أدري ما معنى تصرف مفكري هذه الأيام في رفضهم الاجتماع مع الجمهور أو حتى المتخصصين، من خلال وسائل التواصل الإجتماعي، وفي الوقت نفسه يتمنى أن يكون مقروءًا .
فإذا جئنا إلى الفيسبوك، تجد نوعا مشابها وأيضاً يعد نفسه مفكرا يغلق خانة التعليقات ويفتحها لبعض الناس. إذا لم تكن متحملًا للرأي الآخر، فأنت يا أخي لست مفكرًا. لقد فقدت خاصية أساسية من خصائص المفكر، وهي أن يقبل النقد. مهما كان لاذعًا،، ما الضير في ذلك؟
ثم نأتي للنوع الثالث ممن يعدون أنفسهم مفكرين، وهو النوع الأكثر غرابة.
إذا ما دُعي إلى ندوة، فهو يرى نفسه فوق كل الناس، يأتي في موعد إلقاء كلمته فقط، وبعد أن تنتهي يغادر الندوة، وكأنه يقول للناس: لقد جئت أعلمكم، ماذا تنتظرون مني أن أفعل؟
هل أنتظر لكي أسمع بعد أن أنتهي؟ لا، لا، هذا ليس دوري. ما يقال لست في حاجة إلى أن أسمعه، أنا أعلى من أن أضيع وقتي وأجلس بينكم. لقد جئت أعلمكم، ألقيت ورقتي وكفى.
ما رأيكم أيها القراء: هل هؤلاء مفكرون؟
أيها الشبه مفكر: أذكَرك بأن التعامل الفوقي مع الآخرين غير مجدي، فدائرة العلم لا تكتمل إلا بالأخذ والعطاء، لقد فشل ما يعرف بمشاريع النهضة لانها كانت مشاريع نخبوية، لم يحاول معها المفكر الوصول للجمهور المستهدف.
آن الأوان للمفكر الفوقي و النخبوي ان يعلم انه ليس مفكرا فعالا مؤثرا، لقد أضاع حياته في التفكير داخل الذات ومخاطبة مجموعة صغيرة. لم يختلف في ذلك عن موظف كان يجتمع بموظفيه كل فترة إلى أن خرج إلى المعاش.
الوصول للجمهور والتفاعل معهم بكل الأشكال الممكنة شرط أساسي بل وخاصية جوهرية من خصائص المفكر الحقيقي الفعال والمؤثر.

د بهاء درويش المفكر الحقيقى الفعال الجارديان المصريه