الخميس 3 سبتمبر 2026 09:18 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

د. أحمد رشدى يكتب : السيسي في المولد النبوي.. عندما تتحول أخلاق الرسول إلى مشروع لبناء الدولة

د. احمد رشدي
د. احمد رشدي

عندما يقف الرئيس عبدالفتاح السيسي أمام أهل مصر في احتفالات المولد النبوي الشريف، فإنه لا يقف مجرد قائد سياسي يؤدي واجباً رسمياً. بل هو يقف باعتباره حارساً لقيم ومبادئ، ومجسداً لرؤية حضارية تربط بين المثل العليا التي حملها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وبين متطلبات بناء دولة عصرية قوية. هذا الفهم العميق للارتباط العضوي بين القيم الأخلاقية الإسلامية وضرورات الحكم الحديث، يمثل أساساً راسخاً لمشروع التنمية الشاملة الذي تنهض به مصر اليوم.

إن المولد النبوي ليس مجرد ذكرى تاريخية يستعيدها المصريون سنوياً، بل هو مناسبة استثنائية لإعادة النظر في القيم التي قاد بها نبينا الكريم مسيرة الدولة الإسلامية الأولى. وقد اختار الرئيس السيسي بحكمة أن يجعل من هذه المناسبة منصة لإعادة تأصيل هذه القيم، وإظهار كيف أنها ليست مجرد مواعظ دينية، بل هي أسس عملية لبناء دولة ناهضة.

الأخلاق كأساس للقيادة والحكم

لم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم مجرد نبي يبشر بالآخرة. كان قائداً استثنائياً بنى إمبراطورية روحية ومدنية، قوامها الأخلاق النبيلة والعدل والرحمة. كل قرار اتخذه، وكل تشريع أصدره، كان ينبثق من مبدأ أساسي: أن الحاكم الصالح هو من يتمسك بالقيم الخلقية، ويجعلها معيار تعامله مع شعبه.

في الدولة المصرية الحديثة، يدرك الرئيس السيسي تماماً هذه الحقيقة التاريخية. فالقيادة الحقيقية لا تقوم على القوة العسكرية وحدها، ولا على الاقتدار الاقتصادي فقط. بل تقوم على نسق متكامل من المبادئ الأخلاقية التي تجعل الحاكم موثوقاً لدى شعبه، وتجعل الشعب على ثقة بأن قائده يسعى لمصلحتهم بنفس الطريقة التي ساعى بها النبي صلى الله عليه وسلم. هذا الفهم يترجم عملياً إلى سياسات حقيقية: احترام القانون، محاربة الفساد، توفير العدالة الاجتماعية، وضمان الحريات الأساسية.

العدل كمرتكز أساسي للدولة القوية

لا يمكن فهم رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم دون التركيز على موضوع العدل. فقد بعثه الله ليؤسس نظام حكم قائم على العدل بين الناس، بغض النظر عن أصلهم أو نسبهم. قال تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ). والميزان هنا رمز للعدل الذي يجب أن يحكم جميع جوانب الحياة.

في مصر اليوم، يشهد المجتمع تطبيقاً عملياً لهذا المبدأ النبوي. الرئيس السيسي أدرك أن الدولة الحديثة القوية لا تقوم على الاستبداد أو الظلم. كما أن الأمن والاستقرار لا يمكن أن يكونا قائمين على الخوف والقهر. بل الأساس الحقيقي للاستقرار هو شعور المواطن بأنه محمي بالقانون، وبأن حقوقه مصونة. هذا يفسر الاهتمام الكبير بتطوير النظام القضائي، وتعزيز استقلالية القضاء، وحماية حقوق الإنسان.

إن محاربة الفساد ليست فقط ضرورة اقتصادية أو إدارية. بل هي تطبيق عملي لقيمة نبوية أساسية، ألا وهي عدم أكل المال بالباطل، وعدم السماح للفاسدين بالاستيلاء على حقوق الشعب. هنا يظهر الربط الواضح بين الأخلاق الإسلامية وضرورات الحكم الحديث.

الرحمة والعطف كسياسة دولة

شهيرة هي الآية الكريمة التي وصفت النبي صلى الله عليه وسلم بأنه رحمة للعالمين. وقد ترجم هذا الوصف النبوي إلى واقع عملي في سياسته مع الناس. لم يكن قاسياً أو بلا رحمة حتى مع أعدائه. بل كان دائماً يبحث عن طرق تصالحهم مع المجتمع، ويسعى إلى إعادة تأهيلهم ليصبحوا عناصر فاعلة ومفيدة.

هذا المبدأ النبوي من الرحمة والعطف يظهر جلياً في السياسات الاجتماعية للدولة المصرية الحديثة. الرئيس السيسي يدرك أن القوة الحقيقية للدولة لا تقاس فقط بقوتها العسكرية أو قدراتها الأمنية. بل تقاس أيضاً بقدرتها على رعاية أضعف أفرادها، وضمان حياة كريمة لجميع المواطنين. من هنا جاءت البرامج الموجهة نحو الفقراء والمحتاجين، والاهتمام بالتعليم والصحة والضمان الاجتماعي.

إن مشاريع البنية التحتية الضخمة التي شهدتها مصر في السنوات الأخيرة ليست مجرد مشاريع اقتصادية. بل هي تعبير عملي عن الرحمة والعطف تجاه الشعب المصري. توفير الكهرباء والمياه والطرق والتعليم والصحة، كل هذا ينبثق من فهم عميق بأن دور الدولة هو خدمة شعبها، وضمان حياة أفضل لهم. وهذا بالفعل ما كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم.

الحكمة والتشاور في اتخاذ القرارات

لم يكن النبي محمد صلى الله عليه وسلم قاضياً فرداً يستبد برأيه. بل كان يشاور أصحابه في الأمور المهمة. قال تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ). هذا الأسلوب في إدارة الدولة لم يكن ضعفاً أو تنازلاً عن السلطة. بل كان تعبيراً عن الحكمة والثقة بأن الرأي الجماعي غالباً ما يكون أصوب من رأي الفرد.

في الدولة المصرية المعاصرة، نجد أن نظام الحكم يقوم على أسس تشاورية واضحة. البرلمان بغرفتيه يمثل صوت الشعب. المجالس المحلية تشارك في اتخاذ القرارات على المستوى الإقليمي. والقيادة السياسية تستمع دائماً إلى آراء الخبراء والفنيين قبل اتخاذ قرارات استراتيجية. هذا الأسلوب يعكس فهماً عميقاً بأن الحكم الرشيد لا يقوم على الاستبداد بالرأي، بل على التشاور والحوار والنقاش العلمي.

الرئيس السيسي أدرك أنه كلما كان القرار مستنداً إلى تشاور حقيقي وحوار صريح بين أطراف متعددة، كلما كان أقرب إلى الصواب، وأقبل من الشعب. هذا هو جوهر الحكمة النبوية في الإدارة والحكم.

الصبر والعزيمة في مواجهة التحديات

واجه الرسول صلى الله عليه وسلم تحديات هائلة في مسيرته. كان محاطاً بأعداء أقوياء، وكان يملك موارد محدودة. لكن ما ميزه هو الصبر والعزيمة على متابعة رسالته. لم يستسلم أمام الصعوبات، ولم يتردد عن اتخاذ قرارات صعبة لخير أمته. هذا الصبر والعزيمة كانا أساس نجاحه في بناء دولة وحضارة.

مصر اليوم تواجه تحديات كثيرة: تحديات اقتصادية، وأمنية، وديموغرافية، وعمرانية. القيادة المصرية بقيادة الرئيس السيسي تدرك أن هذه التحديات ليست مستحيلة، بل تتطلب صبراً وعزيمة وتخطيطاً دقيقاً. والمشاريع الضخمة التي تنفذها الدولة، مثل العاصمة الإدارية الجديدة وقناة السويس الجديدة ومشاريع الثروة السمكية، كل هذا يعكس الإرادة المصرية على مجابهة التحديات بقوة وثقة.

إن هذا الصبر والعزيمة ليس مجرد قيم أخلاقية مجردة. بل هو ترجمة عملية لثقة عميقة بأن الشعب المصري قادر على تجاوز كل التحديات. وأن مصر لديها كل المقومات اللازمة لتصبح دولة عصرية قوية، شأنها شأن أي دولة متقدمة في العالم.

حماية المستضعفين والدفاع عن المظلومين

من أهم خصائص النبوة أن تحمي الضعفاء والمستضعفين من ظلم الأقوياء. كان الرسول صلى الله عليه وسلم حامياً لحقوق العبيد والفقراء والنساء والأطفال. هذا لم يكن عاطفة عابرة، بل كان جزءاً من نظام الحكم الذي أسسه. فقد وضع تشريعات صارمة لحماية هذه الفئات من الاستغلال والظلم.

في مصر المعاصرة، يرى المراقب الدقيق كيف أن سياسات الدولة موجهة نحو حماية الفئات الضعيفة. البرامج الموجهة للأطفال والنساء والعمال والفلاحين، والاهتمام بحقوق الإنسان والحريات الأساسية، كل هذا يعكس فهماً بأن دور الدولة هو الدفاع عن المستضعفين لا استغلالهم. وأن المجتمع القوي هو المجتمع الذي يحمي أضعف أفراده.

هذا يظهر بشكل خاص في الموقف المصري الثابت من القضايا العربية والإسلامية. مصر تدافع عن حقوق الشعب الفلسطيني، وتقف إلى جانب المظلومين في المنطقة. وهذا ليس مجرد موقف سياسي، بل هو امتداد طبيعي للقيم النبوية التي تحكم سياسة الدولة المصرية.

العلم والمعرفة كأساس التقدم

أول آية نزلت على الرسول صلى الله عليه وسلم كانت (اقرأ). اقرأ باسم ربك الذي خلق. هذا لم يكن اختياراً عشوائياً. بل كان تأكيداً على أهمية العلم والمعرفة في حضارة الإسلام. كان النبي يقول: (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة). وكان يشجع الحوار والنقاش حول المسائل العلمية والدينية.

هذا التركيز على العلم والمعرفة يظهر جلياً في السياسات التعليمية والبحثية للدولة المصرية. الاهتمام بتطوير التعليم على جميع مستوياته، والاستثمار في البحث العلمي، وتشجيع الابتكار والإبداع، كل هذا ينبثق من فهم عميق بأن التقدم الحقيقي للدولة لا يمكن أن يحدث بدون علم وتكنولوجيا.

الجامعات المصرية اليوم تشهد اهتماماً غير مسبوق بتطوير البرامج الأكاديمية وتحديثها لتواكب التطورات العالمية. مصر تستثمر في مراكز البحث العلمي وتشجع الباحثين على القيام ببحوث تطبيقية تخدم التنمية. هذا كله يعكس فهماً أن الدولة القوية هي الدولة المعرفية والعلمية.

الوحدة الوطنية والحفاظ على النسيج الاجتماعي

عندما بنى الرسول صلى الله عليه وسلم الدولة الإسلامية الأولى، لم يكن يحكم مجتمعاً متجانساً. بل كان هناك مختلفون دينياً وعرقياً واجتماعياً. ومع ذلك، استطاع أن يبني وحدة وطنية حقيقية قائمة على المساواة والعدل والاحترام المتبادل. الوثيقة التي وضعها بين المسلمين واليهود في المدينة تعتبر من أوائل المواثيق الدستورية للدولة.

مصر اليوم، بكل تنوعها الديني والإثني والاجتماعي، تسعى نحو تحقيق نفس المثل الأعلى: وحدة وطنية حقيقية. القيادة المصرية تدرك أن قوة الدولة لا تقوم على إكراه أو هيمنة فئة على أخرى. بل تقوم على الاحترام والتسامح والعدل بين جميع المواطنين بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية أو الثقافية.

الخطاب الرسمي للدولة يؤكد دائماً على قيمة التسامح والتعايش السلمي. المؤسسات الدينية، الإسلامية منها والمسيحية، تعمل معاً في سياق التعايش الإيجابي. والمواطن المصري، بغض النظر عن دينه أو مذهبه، يتمتع بنفس الحقوق ويخضع لنفس القوانين. هذا يعكس فهماً عميقاً بأن وحدة الوطن تأتي أولاً.

الكفاءة والمهارة في تولي المسؤوليات

قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة). وكان دائماً يختار أكفأ الناس لتولي المسؤوليات. لم يكن يعين شخصاً لمنصب لأنه قريب أو صديق، بل لأنه الأكثر كفاءة والأقدر على تنفيذ المهمة. هذا المبدأ كان أساسياً في إدارته.

في الدولة المصرية الحديثة، نرى اهتماماً متزايداً بموضوع الكفاءة والجدارة. الترقيات في الجهاز الحكومي تقوم على أساس الأداء والإنجاز. المناصب الحساسة تسند إلى أشخاص ذوي خبرة وكفاءة عالية. وهناك نظام واضح للمساءلة والمحاسبة يضمن أن المسؤول يعمل بأمانة وكفاءة.

هذا التركيز على الكفاءة ليس بديهياً في كل نظام حكم. لكنه يعكس فهماً بأن الدولة القوية هي التي توكل مسؤولياتها إلى أكفأ الناس. وأن الفساد والمحسوبية هما من أكبر أعداء التقدم والازدهار.

الدور الإقليمي والعالمي لمصر

النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن مهتماً ببناء دولة محصورة في جزيرة العرب فقط. بل كان يسعى لنشر رسالة إلى العالم أجمع. كان يرسل الرسل والسفراء إلى الملوك والزعماء في بلاد الروم والفرس والحبشة. كان يفهم أن الدولة القوية لا بد أن تكون لها دور عالمي وإقليمي.

مصر اليوم، بموقعها الجيواستراتيجي الفريد، لها دور محوري في المنطقة والعالم. قناة السويس تعتبر أهم ممر مائي عالمي. الدبلوماسية المصرية نشطة في جميع أنحاء العالم. مصر تلعب دوراً وسيطاً في النزاعات الإقليمية، وتسعى لتحقيق السلام والاستقرار. هذا الدور العالمي والإقليمي لمصر ليس مصادفة، بل هو نتيجة طبيعية لموقعها وقدراتها وشعبها.

الرئيس السيسي يدرك هذا الدور المركزي لمصر. وهو يسعى لتعزيز دور مصر على الصعيد الإقليمي والدولي. سياسة مصر الخارجية قائمة على تحقيق المصالح الوطنية، والدفاع عن المظلومين، والسعي لحل النزاعات بالطرق السلمية. هذا كله ينبثق من نفس المبادئ النبوية التي تحكم السياسة الداخلية.

خلاصة القول

عندما يحتفل المصريون بالمولد النبوي الشريف، لا يحتفلون بحدث تاريخي مضى، بل يحتفلون بمبادئ ودروس لا تزال حية وفاعلة في حياتنا المعاصرة. الرئيس السيسي، في خطاباته ومبادراته، يربط ربطاً واضحاً بين هذه المبادئ النبوية وسياسات الدولة الحديثة. إنه يقول للمصريين: نحن لا نسير في طريق جديد مختلف تماماً عن تراثنا. بل نحن نستلهم من تراثنا وقيمنا أسساً لنهضة حقيقية.

الأخلاق الإسلامية ليست ترفاً أو زينة للدولة. بل هي أساسها ومحركها. دولة بلا أخلاق ستنهار عاجلاً أم آجلاً. والشعب الذي لا يشعر بأن قادته يسيرون على أساس قيم أخلاقية، سيفقد الثقة ويسقط الاستقرار. لكن الدولة التي تبني سياساتها على أساس قيم أخلاقية سليمة، ستكون دولة قوية وعادلة ومستقرة.

مصر بقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسي تسير على هذا الطريق. طريق يجمع بين القيم الأخلاقية الإسلامية والسياسة الحديثة. طريق يحافظ على الهوية والتراث، ويستشرف المستقبل بثقة وحكمة. والمولد النبوي الشريف يذكرنا سنة بعد سنة بأن هذا الطريق ليس طريقاً جديداً مختلقاً، بل هو استمرار طبيعي لرسالة النبي صلى الله عليه وسلم.

إن مشروع بناء الدولة على أساس أخلاق الرسول ليس حلماً بعيد المنال. بل هو مشروع عملي قابل للتحقيق. والدولة المصرية تسير فيه خطوة خطوة، يوماً بعد يوم. وكل ما نراه من إنجازات وإصلاحات وتطوير هي محطات في هذا الطريق. والطريق لا يزال طويلاً، لكن الخطوات الأولى قد اتخذت، والأمل والثقة يعم قلوب المصريين.

د. أحمد رشدي  السيسي المولد النبوي عندما تتحول أخلاق الرسول إلى مشروع لبناء الدولة  الجارديان المصريه