الجمعة 4 سبتمبر 2026 02:12 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

عصام بيومى يكتب: ”صويلنت جرين” من الخيال إلى الواقع في 50 عاما فقط !

الكاتب الكبير عصام بيومى
الكاتب الكبير عصام بيومى

في مقال لي بعنوان "عندما يخطط الشيطان للمستقبل" بتاريخ 17-07-2024، نبهت إلى أن أعداء الإنسانية لا يقودون البشرية إلا إلى الدمار وخراب الديار على كل المستويات. ومن ذلك ما نعيشه الآن من إفساد شبه عام للمأكل والمشرب. فلا يكاد يكون هناك منتج غذائي زراعي أو مُصنّع إلا وطالته يد الإفساد بالهرمونات أو الهندسة الوراثية أو التهجين. لم يعد الخضار خضارا ولا الفاكهة فاكهة ولا اللبن لبنا ولا الجبن جبنا ولا حتى اللحوم لحوما.. وهكذا..

هل تذكرون أيضا تعبير "نحن نعيش في اللا واقع" الذي ذكرته في أكثر من مقال.. لقد بات الواقع هو الخيال والخيال هو الواقع حرفيا.. كيف؟

حسنا.. قبل الاسترسال أُذكِّر مرة أخرى بأن أكثر ما قُدم إلينا عبر السنين على أنه نبؤات عرافين وتكهنات فلاسفة مشعوذين، لم يكن سوى خطط لرسم صورة مستقبل سوء يريده أعداء الإنسانية للبشر. وما صُدر إلينا على أنه روايات وخيال علمي لم يكن سوى سيناريوهات وبروفات لتلك الخطط. وما سُوِّق من خلال مدارس العلوم السياسية على أنه نظريات أكاديمية لم يكن سوى مسارات ومحاولات مختلفة لتنفيذ تلك الخطط وبيعها للناس لإغراقهم في اللا واقع الذي يراد له أن يكون واقعهم على الحقيقة فيما بعد وتدريجيا، كما نرى بأعيننا يوما بعد يوم.

تحدثنا سابقا عن روايات خيال علمي صارت حقيقة، منها، "فرانكشتاين" و"عالم جديد شجاع" و1984""، وغيرها كثير.

اليوم رواية أخرى تتحقق أمام أعيننا هي، "أفسح المجال"، أو

(Make Room) 1966

لمؤلفها هاري هاريسون، والتي مُثلت سينمائيا، مع بعض الاختلافات، بعنوان "صويلنت جرين"، 1973، وكان بطلها تشارلتون هيستون. تستكشف الرواية العواقب الوخيمة لما تسميه النمو السكاني المنفلت" واستنزاف الموارد وتفاوت الثروة. وتبشر بانهيار اجتماعي ونقص الغذاء واستشراء الفساد والخراب. وكل ذلك كنتائج لكارثة بيئية يسببها الاحتباس الحراري. وهذه كذبة كبرى فندتُها سابقا.

تصور الرواية ومن بعدها الفيلم الذي يزيد عمره على 50 عاماً، شكل العالم الذي نعيش فيه الآن، وتتحدث عن العام 2022، باعتباره مستقبلا بعيدا، حيث يصور شيئا شبيها بنهاية العالم: شوارع مزدحمة، ونقص في الغذاء، وشركة أغذية احتكارية تُطعم الجماهير رقائق تزعم أنها خضراء من الصويا والعدس والطحالب، لكن يتضح أنها مصنوعة من مخلفات وجثث البشر، بحسب الفيلم. عند عرض الفيلم لم ينتبه كثيرون، بالطبع، إلى أن هذا هو المصير المخطط للبشر بخبث شديد. اعتبروا الفيلم مجرد خيال. لكن بعد نحو 50 عاما فقط يقترب الأمر من الحقيقة شيئاً فشيئا. ما كان خيالا صار خبرا. وكنت تحدثت في مقالات سابقة، أيضاً، عن إحلال الحشرات واللحوم المصنعة بالكامل محل الغذاء الطبيعي، منها مقال "صناعة المجاعة.. وليغيرن خلق الله"،

بتاريخ 22-08-2024.

الآن صار الشائع في أي سوبرماركت هنا في كندا وأمريكا مثلا أن تجده مكدسا بصناديق وأكياس وزجاجات مليئة بالكيماويات، "نكهات طبيعية" وغير طبيعية، زيوت بذور مصنعة معمليا، أصباغ صناعية تسبب مشاكل صحية. لحوم مستنبتة معمليا تباع على أنها بروتين المستقبل، صراصير وديدان تطحن لتصبح بروتيناً "مستداماً"!. وهكذا، خطوة بخطوة، يختفي الطعام الحقيقي، لتحل محله منتجات لم تصمم لتغذيتنا، بل للسيطرة علينا. ومن يسيطر على إنتاجها؟ هي نفس التكتلات العملاقة من الشركات الكبرى التي تتحكم في الحكومات والعلماء والإعلام.

في فيلم "صويلنت جرين"، الأغنياء فقط هم من يأكلون طعاماً حقيقياً. بقية البشر تأكل الرقائق المصنعة، من جثث موتاهم، ويُطلب منهم أن يكونوا سعداء شاكرين، تماما وفق خطة إعادة الضبط العالمي، التي يتبناها مجرمو منتدى دافوس الاقتصادي بقيادة المجرم الماسوني كلاوس شواب.

اليوم، أسعار الطعام الحقيقي الطازج، ناهيك عن الطعام العضوي (أورجانيك) ترتفع بشكل جنوني، بينما تبقى الأطعمة المصنعة من النفايات المعالجة رخيصة نسبيا. لحم البقر يصبح رفاهية بينما البدائل المصنعة ولحم الخنزير أرخص ...

يغيّبون الطعام الحقيقي ويرفعون أسعاره، ثم يقنعوننا بأن الحل هو الطعام القاتل المصنوع من الكيماويات والمخلفات، ليتشكل بالتالي نظام طبقي آخر مبني على نوعية الغذاء. نخبة تأكل الطعام الحقيقي، وعامة تأكل أي شيء يلقى إليهم مثل الحيوانات الأليفة على أحسن تقدير.

ولن نذهب بعيدا إن قلنا

إنهم، أي أعداء الإنسانية، يخططون لعالم يتحول فيه الإنسان إلى حيوان أليف مثل القطط أو الكلاب التي جعلوها تأكل نوعية واحدة من الطعام بنكهات مختلفة وتتبع نظاما لا تخالفه.

وهنا تكمن بشاعة القصة، أو لنقل الواقع الوشيك، الذي نراه يقترب من التحقق، حيث يحتفظ أغنياء العالم وحاشياتهم بمزارع خاصة وملاجيء محصنة للطوارئ بينما سيترك الباقون لمصيرهم، وهذا تماما ما جعلونا نشاهده في كثير من أفلامهم الهوليودية.

وتحقيقا لما تنبأت به الرواية والفيلم، بأننا سنأكل لحوم البشر يوما ما، بدأت بعض الولايات الأمريكية "تحويل جثث البشر إلى سماد". يسمونه صديقاً للبيئة. الجثث تتحول إلى تربة، من البقايا والمخلفات، وتزرع فيها محاصيل.

هم يقولون إنه ليس أكلاً مباشراً للبشر، لكن المبدأ نفسه: الإنسانية تُختزل وتهان، فتُحرق وتتحول إلى وقود للآلة الشيطانية. الإنسان الذي يفترض أن يكرم عند موته بتسريع دفنه يصبح سمادا يأكله الآخرون. الأكثر من ذلك أنه وصل بهم الأمر إلى صنع أطعمة فعلية من لحوم البشر وتنظيم مسابقات لاختبار مدى قدرة المتسابقين على تمييز تلك اللحوم من غيرها!

وفي حين تغيب عن الرواية فكرة تقليل أعداد البشر، يحرص صناع الفيلم على إبرازها، والتبشير بما سيعرف لاحقاً، ب "عيادات القتل الرحيم" الحكومية. وقد أصبحت هذه حقيقة واقعة في كندا مثلاً، حيث يذهب البطل المساعد "سول" إليها اختيارياً لإنهاء حياته، قبل أن يتم إرسال جثته لإعادة التدوير. وصناعة صويلانت جرين منها.

ثم يأتي المشهد الأخير ليتوج ذلك.. يصرخ البطل أندي (هيستون) عندما يكتشف الحقيقة: "صويلنت جرين" هي نحن البشر. تسحبه السلطات بعيدًا، وتُسكت صوته، وتقتل المحتجين.... بينما يستمر النظام في العمل.. ولا أمل!

عصام بيومي

essam7@gmail

عصام بيومى مقالات عصام بيومى ”صويلنت جرين” من الخيال إلى الواقع في 50 عاما فقط الجارديان المصريه