د. شروق شعبان تكتب : تشريح آليات الاستقطاب في خطاب الجماعات المتطرفة
في لحظة فارقة من التاريخ المعاصر، نقف جميعاً أمام مشهد يبعث على الحيرة والذهول: شباب متعلم يتركون حياة الرخاء لينضموا إلى جماعات متطرفة، ومثقفون يتبنون أطروحات تناقض مبادئ العقل والمنطق، وأفراد عاديون يتحولون بين ليلة وضحاها إلى أدوات طوعية في أيدي منظومات فكرية مغلقة.
والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: كيف يحدث هذا التحول الجذري؟ ما الآلية الخفية التي تعيد تشكيل الإنسان العادي حتى يصبح تابعاً مذعناً، بل ومدافعاً شرساً عن القيود ذاتها التي كُبّل بها؟
وتكمن الإجابة لدينا في الفهم العميق لتلك الهندسة النفسية المعقدة التي تمتلكها الجماعات المتطرفة والأجندات السياسية الخفية. تلك الهندسة، في جوهرها، لا تختلف عن تقنيات غسيل الدماغ التي حللها الطبيب النفسي جوست ميرلو في منتصف القرن الماضي، غير أنها تطورت اليوم لتصبح أكثر دهاءً وأشد فتكاً بالعقل النقدي، وأكثر قدرة على التخفي خلف أقنعة الحرية والوعي الزائف.
ولفهم كيف تنجح هذه الآلية، علينا أولاً أن ندرك حقيقة نفسية جوهرية: وهي أن الجماعات المتطرفة تدرك، بحدس مرعب، أن الإنسان في أعماقه كائن هش يبحث عن اليقين في عالم يموج بالغموض والفوضى.
هذه الهشاشة ليست عيباً أخلاقياً ولا قصوراً عقلياً، بل خاصية إنسانية أصيلة تتضخم في لحظات الأزمات والتحولات الكبرى.
ومن ثمً تعمل هذه الجماعات، ببراعة الصياد المحترف، على اصطياد الأفراد في لحظات ضعفهم الوجودي تحديداً … المهاجر الذي يعاني الاغتراب وضياع الهوية، الشاب الذي يفشل في العثور على معنى لحياته وسط فراغ روحي خانق، المثقف الذي تصيبه خيبة الأمل من وعود الحداثة الزائفة.
وعلي هذا تبدأ الآلية بأكملها في تحديد ما يمكن تسميته "بأزمة المعنى" لدى الفرد المستهدف، تلك اللحظة الحرجة التي يغرق فيها الإنسان في بحر الأسئلة الوجودية بلا إجابات.
وفي هذه اللحظة بالذات، يأتي من يلقيه بطوق النجاة المزيف لكنه فوري ومريح ومغلف بغلاف الحقيقة المطلقة.
وهكذا تبدأ عملية الاستقطاب باختراق جدار القلق الوجودي، ثم إغراق الضحية بـ"حقيقة" كاملة لا تقبل الشك ولا تحتمل المراجعة، لتنتقل بعد ذلك إلى مرحلة أكثر عمقاً وخطورة… وهي عملية ممنهجة يمكن تسميتها بـ"تفريغ العقل".
وتستهدف هذه المرحلة تصفية المحتوى الفكري السابق لدى الفرد عبر ثلاث آليات متزامنة تعمل بتناغم محسوب.
الآلية الأولى هي "هدم المرجعيات": حيث تعمل الجماعة، بصبر ومنهجية، على إقناع الفرد بأن كل ما تعلمه سابقاً، سواء من أسرته أو مدرسته أو مجتمعه، هو مجرد نتاج "مؤامرة كبرى" تهدف إلى إخفاء الحقيقة عنه. ومن ثمً ، يصبح الفرد في حالة فراغ معرفي كامل، أشبه بأرض محروقة، مما يجعله متعطشاً بشدة لأي محتوى بديل يملأ هذا الفراغ الموحش.
وذلك بالتوازي مع هدم المرجعيات، وتنشيط الآلية الثانية:
وهي "خلق عدو وهمي مطلق"، إذ لا يمكن للجماعة أن تتماسك دون عدو خارجي واضح. هذا العدو قد يكون "الغرب " أو "النظام الفاسد" أو "المؤامرة العالمية".
وهذا يخدمه في وظيفة نفسية أساسية مهمة بالنسبة له وهي إسقاط كل المشاعر السلبية والقلق الوجودي على اي كيان خارجي، مما يعفي الفرد من عناء مواجهة تعقيدات الحياة وأسئلتها المربكة.
إذن عدوك ليس مجرد خصم سياسي عابر، بل هو المبرر الوجودي للجماعة بأكملها، وهو الغراء الذي يلصق الأفراد ببعضهم في كتلة متماسكة من الكراهية المشتركة.
وعلى أنقاض المرجعيات المهدمة، وفي ظل وجود عدو واضح، تأتي الآلية الثالثة: وهي "إغراء اليقين المطلق". في عالم تسوده النسبية والشك، ثم يأتي الخطاب المتطرف ليقدم لك أجوبة قاطعة لا تحتمل التأويل. هذا اليقين يتناسب طردياً مع حجم القلق الوجودي، فكلما زاد القلق، زاد التعطش لليقين.
وهنا تحديداً تأتي بعض الجماعات لتستغل تلك المعادلة النفسية بمهارة فائقة، فتقدم نفسها باعتبارها الحامل الوحيد للحقيقة المطلقة، والبوابة الوحيدة للخلاص، والملاذ الآمن في عالم مأزوم.
وعليه ، يصبح العقل جاهزاً للمرحلة الثانية والأخطر…
"إعادة البرمجة"، أو ما يمكن تسميته بالهندسة العكسية للوعي. في هذه المرحلة، لا يُطلب من الفرد مجرد تبني أفكار جديدة، بل يُعاد تشكيل جهازه الإدراكي بالكامل ليصبح غير قادر على رؤية العالم إلا من خلال المنظور الأحادي الذي توفره الجماعة. هذه العملية تشبه تثبيت نظام تشغيل جديد على جهاز كمبيوتر بعد مسح النظام القديم بشكل كامل.
وتبدأ هذه المرحلة بعزل الفرد عن أي مصادر معرفية خارج سيطرة الجماعة.
في الماضي، كان هذا العزل يتم عبر النقل الجغرافي إلى معسكرات تدريب أو خلايا مغلقة. أما اليوم، فيمكن تحقيقه بسهولة عبر "فقاعات" إلكترونية على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تصمم خوارزميات المنصات نفسها لتغذية الفرد بمحتوى متطرف بشكل متدرج ومدروس، دون أن يشعر بأنه يخضع لعملية غسل دماغ منهجية.
ضمن هذه الفقاعات، تستخدم الجماعات تقنية "اللقمة المعرفية": جرعات صغيرة ومتتابعة من الأفكار المتطرفة، تقدم بشكل يبدو منطقياً في بدايته. يبدأ الأمر بفكرة بسيطة مثل "الفساد منتشر"، ثم ينتقل إلى "النظام بأكمله فاسد"، ثم إلى "كل من يدعم النظام متواطئ"، وأخيراً إلى "التدمير الشامل هو الحل الوحيد". لو قُدمت الفكرة الأخيرة مباشرة، لرفضها العقل السليم، لكنها حين تأتي بعد سلسلة متدرجة من المقدمات "المنطقية"، تصبح هي النتيجة الوحيدة الممكنة.
وهنا نصل إلى أحد أخطر آليات هذه المرحلة: "تسليع الموت". تقوم الجماعات المتطرفة بإعادة تعريف الموت بشكل جذري، ليس باعتباره نهاية مأساوية، بل باعتباره "صفقة رابحة" أو "شهادة" تضمن الخلود والجنة. هذا التحويل الدلالي العميق يجرد الموت من رهبته الطبيعية، ويحوله إلى سلعة مغرية لأولئك الذين فقدوا الأمل في الحياة. هنا تتجلى عبقرية الشر: الجماعات تستثمر في اليأس البشري وتحوله إلى وقود رخيص لمشاريعها التدميرية، وتحول الضحية نفسها إلى أداة طوعية تبحث عن موتها ظناً منها أنها تبحث عن الحياة.
هذه العمليات المتتابعة تخلق في النهاية نموذجاً بشرياً مشوهاً يمكن وصفه بـ"التابع المطلق"، وهو كيان جديد يتميز بخصائص نفسية محددة تجعله مستعداً لتنفيذ أي أمر دون تردد.
الخاصية الأولى هي "الانفصام الأخلاقي": حيث ينقسم عالم الفرد بشكل حاد إلى "نحن" و"هم". تنطبق القيم الإنسانية على "النحن" فقط، بينما يُجرَّد "الهم" من أية إنسانية تستحق الاعتبار. هذه الآلية تفسر كيف يمكن لشخص عادي أن يصبح قادراً على ارتكاب فظائع دون شعور بالذنب.
الخاصية الثانية هي "متلازمة السيد والعبد المتزامنة": وهي حالة متناقضة يكون فيها الفرد خاضعاً تماماً للقائد، لكنه في الوقت نفسه يشعر بقوة هائلة وتعالٍ مطلق على من هم خارج الجماعة. هذا المزيج المتناقض من الخضوع المطلق والشعور بالقوة هو ما يجعل التابع خطيراً بشكل خاص.
أما الخاصية الثالثة فهي "فقدان القدرة على التعقيد"، حيث يصبح العقل عاجزاً عن استيعاب أن العالم ليس أبيض أو أسود. أي محاولة لإدخال "درجات رمادية" تُواجه بعنف، لأنها تهدد أسس البرمجة النفسية. يصبح التعقيد الفكري عدواً وجودياً، والتبسيط المخل فضيلة عليا.
و أعتقد بعد ذلك كله أن من السذاجة… الاعتقاد بأن هذه الجماعات تنشأ تلقائياً أو أنها مجرد تعبير عن "غضب شعبي".
والحقيقة هي ، إن هناك أجندات سياسية واقتصادية خفية تستخدم هذه الجماعات كأذرع غير نظامية لتحقيق أهداف لا يمكن تحقيقها عبر القنوات الشرعية.
والجماعة المتطرفة، بهذا المعنى، ليست سوى "شركة أمنية نفسية" تعمل بالقطعة لصالح قوى لا تريد أن تظهر بصماتها على مسرح الجريمة.
لذا بعض الأنظمة السياسية تستخدم تلك الجماعات المتطرفة كورقة ضغط في المفاوضات الدولية، وكذريعة لتشديد القبضة الأمنية على المجتمع، وكأداة لتوجيه غضب الجماهير بعيداً عن فشلها الاقتصادي والسياسي.
معني ذلك .. إن الجماعات المتطرفة بتقدم لنا خدمة مزدوجة: تكمن في تخويف المعارضين من جهة، وتوفير عدو خارجي يوحد الصف الداخلي من جهة أخرى.
أما على المستوى الاقتصادي، فإن بعض القوى العالمية تجد في الفوضى التي تخلقها هذه الجماعات فرصة للاستيلاء على الموارد وإعادة رسم خرائط النفوذ.
وهي في هذه المعادلة الباردة،ليست سوي مجرد "مادة حارقة" رخيصة الثمن تستخدم لحرق استقرار منطقة بأكملها تمهيداً لإعادة بنائها وفق تصورات جديدة.
وإذا كان المشهد السابق يكشف عن الآليات النفسية والأجندات السياسية، فإن التكنولوجيا الرقمية قد أحدثت تحولاً جوهرياً في هذه الآليات.
في الماضي، كان تجنيد الفرد يتطلب اتصالاً بشرياً مباشراً، مما حدّ من سرعة انتشار الجماعات. أما اليوم، فإن خوارزميات وسائل التواصل تقوم بدور "المجنّد الآلي" الذي لا يكل ولا ينام، حيث تتعرف على الأفراد القابلين للاستقطاب بناءً على بصمتهم الرقمية، ثم تقدم لهم محتوى متدرجاً في التطرف.
وتكمن عبقرية هذا النظام في أنه لا يحتاج إلى "مجند" بشري يتابع كل فرد. الخوارزميات تحدد الضحايا المحتملين، وتختبر قابليتهم للتطرف، ثم تقدم لهم المحتوى المناسب في الوقت المناسب، ثم تربطهم بـ"مجتمع افتراضي" من المتشابهين فكرياً يعزز أفكارهم ويقيهم من الانتكاس إلى التفكير النقدي.
والأخطر من ذلك هو "فقاعة الواقع البديل": حيث يعيش الفرد في عالم معلوماتي كامل ومتماسك، لكنه منفصل تماماً عن الواقع الفعلي. كل معلومة تدخل هذه الفقاعة يتم تفسيرها وفقاً للنظرية التآمرية المسبقة، وأي دليل يناقض الفكرة الأساسية لا يؤدي إلى مراجعتها، بل إلى تدعيمها عبر اعتبار هذا الدليل "جزءاً من المؤامرة". بهذه الطريقة الجهنمية، يصبح النظام الفكري المغلق محصناً ضد أي اختراق نقدي.
في مواجهة هذه المنظومة المعقدة من السيطرة الفكرية، يصبح السؤال المركزي: كيف يمكن تحصين الأفراد والمجتمعات؟ الإجابة تبدأ من الاعتراف بأن المشكلة ليست في "غباء" من يقعون في الفخ، بل في دهاء الفخ نفسه. الفخ مصمم بذكاء لاصطياد أذكى الناس وأكثرهم حساسية، لا أغباهم.
والخطوة الأولى في طريق المقاومة هي تطوير "المناعة النقدية" من خلال التربية على التفكير المركب منذ سن مبكرة. فنظام تعليمي يكافح الطلاب فيه للوصول إلى إجابات صحيحة بدلاً من طرح أسئلة جريئة، هو حاضنة ممتازة للعقول القابلة للبرمجة.
الخطوة الثانية هي فضح الآليات ذاتها: فالنشر الواعي لكيفية عمل تقنيات الاستقطاب يجعل الأفراد أقل عرضة للوقوع في شراكها. الوعي بوجود "هندسة نفسية" خلف الخطاب المتطرف هو نصف الطريق نحو التحرر منه.
أما الخطوة الثالثة فتكمن في بناء مجتمعات توفر "انتماءً بديلاً" حقيقياً. أحد الأسباب الرئيسية لنجاح الجماعات المتطرفة هو أنها توفر إحساساً بالانتماء والهوية لأفراد يعانون العزلة والتهميش. المجتمع المدني القوي، القادر على توفير شبكات تضامن ومعنى، هو أفضل لقاح ضد وباء التطرف. والخطوة الرابعة هي فضح الأجندات الخفية: تتبع مسارات التمويل الحقيقية، وكشف علاقات الجماعات بالقوى التي تدعمها تحت الطاولة وتحاربها فوقها. حين يكتشف الفرد أنه مجرد "وقود رخيص" في لعبة أمم، يصبح أقل حماساً للتضحية بنفسه.
ففي واقع تتعرض فيه العقول لعملية "اغتصاب" منهجية، تصبح معركة الوعي هي المعركة المركزية في صراع الحضارة الإنسانية.
فالجماعات المتطرفة والأجندات التي تقف خلفها لا تستهدف فقط احتلال أراضٍ أو السيطرة فقط على الموارد، بل تستهدف ما هو أعمق وأخطر: وهو احتلال العقول نفسها وتحويلها إلى مستعمرات طوعية لا تفكر ولا تراجع ولا تسأل.
وأخطر ما في هذه الآليات أنها لم تعد تتطلب "غرف تعذيب" بالمعنى التقليدي. إن أفظع أنواع التعذيب النفسي هو ذلك الذي يحدث بإرادة الضحية نفسها، حين تتبنى أفكاراً تدمرها وتعتقد أنها تنقذها، حين تدافع عن سجانها كأنه محررها، حين تشتاق إلى أغلالها وتلثمها كأنها أجنحة تحليق.
إن تحرير العقول من تلك الأغلال ليس مجرد مطلباً أمنياً، بل هو شرط البقاء الأساسي للحضارة الإنسانية. وكما قال جوست ميرلو محذراً: "في اللحظة التي يفقد فيها مجتمع ما قدرته على التفكير النقدي، يكون قد وقّع على حكم إعدامه، حتى وإن تأخر تنفيذ الحكم لعقود".
#المعركة مستمرة، والوعي هو السلاح الوحيد الذي لا يمكن مصادرته ما دامت هناك إرادة حرة تقاوم.
#shroukshaban












تأجيل محاكمة المتهم بانتحال صفة قاض و3 موظفين بمحكمة شمال القاهرة
السيطرة على حريق داخل مستشفي الحميات بإمبابة
مصرع 3 أشخاص وإصابة 6 في حادث تصادم بطريق شبرا بنها الحر
اليوم...محاكمة عاطل حاول سرقة سيارة بالمرج
أسعار الذهب اليوم الجمعة 4 سبتمبر 2026 فى محلات الصاغة
اسعار الذهب اليوم الأربعاء فى محلات الصاغة
أسعار الفراخ والبيض اليوم الأحد 30 أغسطس 2026
أسعار الذهب اليوم الأحد فى محلات الصاغة .. عيار 24: 7222.86 جنيه...