د. محمد هناء الدين يكتب: لستم قضاة علي احد
ليس كل من يبدو للناس قويا يكون قويا بالفعل فهناك رجال يقضون سنوات طويلة وهم يحملون فوق أكتافهم ما يكفي لإسقاطهم ثم يبتسمون لأنهم لا يريدون لأحد أن يرى لحظة ضعفهم وهناك من يتعود أن يعطي أكثر مما يستطيع وأن يتحمل أكثر مما يحتمل وأن يخفي ضيقه حتى عن أقرب الناس إليه ثم يكتشف ذات يوم أن الذين اعتادوا رؤيته واقفا لم يتخيلوا يوما أنه يمكن أن يتعب
المشكلة ليست دائما في قلة المال وإنما في الطريقة التي ينظر بها بعض الناس إلى الإنسان الذي تعودوا منه على العطاء فحين تساعد مرة تصبح مساعدتك عادة وحين تعطي كثيرا يتحول عطاؤك في نظر البعض إلى حق مكتسب لهم وحين تتغير ظروفك ولا تستطيع الاستمرار كما كنت يصبح السؤال لماذا لم تعد تفعل ما كنت تفعله من قبل وكأن الإنسان لا يمرض ولا يتعب ولا تتغير أحواله وكأن ما قدمه بالأمس أصبح عقدا أبديا يوقع عليه لبقية حياته
والأقسى من ذلك أن يحدث هذا داخل العائلة حيث يفترض أن يكون الإنسان أكثر أمنا وأقل حاجة إلى الدفاع عن نفسه فبدلا من أن يجد في أهله مساحة للراحة يجد نفسه مطالبا كل يوم بإثبات أنه ما زال قادرا وما زال سخيا وما زال يستطيع أن يتحمل وكأن قيمته أصبحت مرتبطة بما يدفعه لا بما هو عليه
هناك أب يحمل مسؤولية أولاده بعد انفصال وربما يذهب جزء كبير من دخله إلى النفقة والمصاريف ويحاول رغم ذلك أن يحافظ على كرامته وألا يشكو وألا يظهر أمام الناس بمظهر العاجز ثم يأتي من يطالبه بالمزيد ويذكره بما لم يفعله ويضعه في مواجهة أبنائه باسم الحقوق والواجبات فيتحول ما يفترض أن يكون علاقة حب بين الأب وابنه إلى حسابات ومطالب وضغوط ويصبح الأب في النهاية محاصرا بين ضميره كأب وبين قدرته المحدودة كإنسان
لا أحد يقول إن الابن ليس له حقوق ولا إن الأب معفى من مسؤولياته فالأبوة مسؤولية والإنفاق على الأبناء واجب بحسب القدرة والقانون والظروف لكن هناك فارقا كبيرا بين المطالبة بالحق وبين استخدام الحق وسيلة لإذلال الأب أو الضغط عليه أو إشعاره بأنه إنسان سيئ لأنه لا يملك أكثر مما يملك
والشيء نفسه ينطبق على الإخوة فأن تقف بجوار أخيك في أزمته شيء عظيم وأن تجعل مساعدته عادة لا تنتهي شيء آخر وأن تساعد إخوتك في مراحل من حياتهم ثم تتغير ظروفك وتصبح أنت المحتاج إلى بعض الرحمة فهذا لا يجعلك أقل منهم ولا يلغي ما فعلته في الماضي فالأخوة ليست دفتر حسابات وكل مساعدة لا ينبغي أن تتحول إلى فاتورة مفتوحة
والأشد قسوة أن يكون الذين يضغطون عليك من أصحاب القدرة المالية الأكبر ثم يحاكمونك بمقاييسهم هم لا بمقدرتك أنت فيصبح ما هو بسيط بالنسبة لهم عبئا ثقيلا عليك ويصبح رفضك لمطلب ما دليلا عندهم على التقصير بينما الحقيقة أن الناس لم تتساو في أرزاقها حتى تتساوى في التزاماتها
وقد يكون الإنسان نفسه قد ساهم دون أن يقصد في صناعة هذه المشكلة لأنه أخفى ضعفه طويلا ولم يقل الحقيقة كاملة وكان كلما ضاقت به الدنيا قال أنا بخير وكلما احتاج إلى الراحة واصل العطاء وكلما عجز عن شيء حاول أن يدبره بأي طريقة حتى اعتاد الجميع أن يروه قادرا على كل شيء وعندما يصل أخيرا إلى اللحظة التي يقول فيها لا يجد من يصدقه
لكن هناك لحظة لابد أن يتعلم فيها الإنسان أن يقول لا دون أن يشعر بالذنب وأن يضع حدودا دون أن يكره أهله وأن يقول أنا لا أستطيع دون أن يعتبر ذلك إهانة لنفسه فالاعتراف بالقدرة المحدودة ليس ضعفا والعيش على قدر الإمكان ليس عارا والإنسان ليس مطالبا بأن يدمر حياته حتى يثبت للآخرين أنه كريم
أحيانا يكون أقسى ما يحتاجه الإنسان من أقرب الناس إليه ليس المال ولا الحلول ولا النصائح وإنما أن يتوقفوا عن زيادة الحمل فوق ظهره وأن يفهموا أن وراء كل شخص يبدو قويا قصة لا يعرفون تفاصيلها وأن الرجل الذي لا يشتكي قد يكون قد وصل إلى آخر حدود احتماله وأن الصمت ليس دائما رضا وأن الابتسامة ليست دائما راحة وأن القدرة على التحمل لا تعني غياب الألم
لا تكسروا الإنسان ثم تسألوه لماذا تغير فبعض الناس لا يتغيرون لأنهم فقدوا محبتهم وإنما لأنهم تعبوا من محاولة إرضاء الجميع وبعضهم لا يبتعد عن أهله لأنه يكرههم وإنما لأنه اكتشف أن قربهم أصبح يؤلمه أكثر من بعدهم وبعضهم لا يتوقف عن العطاء لأنه أصبح بخيلا وإنما لأنه أدرك متأخرا أن من يعطي فوق طاقته كثيرا قد يأتي عليه يوم يحتاج فيه إلى من يعطيه هو
وفي النهاية لا يوجد شيء أقسى من أن يشعر الإنسان أنه مطالب دائما بأن يكون قويا أمام الذين يفترض أن يسمحوا له بأن يكون ضعيفا ولو مرة واحدة فالأهل الحقيقيون ليسوا الذين يعرفون مقدار ما تستطيع أن تدفعه وإنما الذين يعرفون متى يقولون لك خذ نفسا لقد فعلت ما تستطيع ونحن نقدر ذلك
فالرحمة داخل العائلة ليست فضلا والستر بين الأقارب ليس مجاملة وفهم ظروف الإنسان ليس تنازلا ومن يحبك حقا لا يقيس قيمتك بما في جيبك ولا يحاسبك على ما عجزت عنه بعد أن رأى كل ما تحملته
لأن الإنسان في النهاية لا ينكسر دائما من ثقل المسؤولية وإنما قد ينكسر من شعوره بأن الذين حمل المسؤولية من أجلهم كانوا أول من وضع حجرا جديدا فوق ظهره












13 سبتمبر نظر جلسة استئناف مدير إدارة التسويق بحي العمرانية على حبسه...
تأجيل محاكمة المتهم بانتحال صفة قاض و3 موظفين بمحكمة شمال القاهرة
السيطرة على حريق داخل مستشفي الحميات بإمبابة
مصرع 3 أشخاص وإصابة 6 في حادث تصادم بطريق شبرا بنها الحر
أسعار الذهب اليوم الجمعة 4 سبتمبر 2026 فى محلات الصاغة
اسعار الذهب اليوم الأربعاء فى محلات الصاغة
أسعار الفراخ والبيض اليوم الأحد 30 أغسطس 2026
أسعار الذهب اليوم الأحد فى محلات الصاغة .. عيار 24: 7222.86 جنيه...