السبت 5 سبتمبر 2026 08:24 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الحسين عبدالرازق يكتب : عن خفة دم عمرو أديب!

الكاتب الكبير الحسين عبدالرازق
الكاتب الكبير الحسين عبدالرازق

خفة الدم موهبة.. والقدرة على صناعة «الإفيه» موهبة أخرى، لكن الأهم من الاثنين أن يعرف صاحب الموهبة متى يستخدمها، وأين يضعها، ومتى تكون الابتسامة مناسبة، ومتى يحتاج الموقف إلى شيء من الجدية.
والإعلامي عمرو أديب واحد من أكثر الإعلاميين قدرة على صناعة الجملة الساخرة، وإثارة النقاش.
لكن..
أجهزة المخابرات في العالم ليست ناديًا رياضيًا حتى تُعلن قائمة لاعبيه، وليست شركة حتى تُنشر على الملأ أسماء العاملين بها وتفاصيل عملهم!
فالسرية في طبيعة عملها ليست رفاهية، ولا امتيازًا شخصيًا، وإنما هي جزء من طبيعة عمل أجهزة ترتبط بالأمن القومي للدولة.
تابعت بدهشة ما طرحه عمرو أديب حول فكرة الإعلان عن أسماء ضباط أجهزة المخابرات ورتبهم وتخصصاتهم، وما صاحبه من سخرية حول فكرة أن تصبح كل الأمور «في النور».
وأعترف أنني توقفت طويلًا أمام الفكرة.. ليس لأنها أضحكتني؛ هي لم تضحكني، وإنما لأنني حاولت أن أفهم: أين تنتهي السخرية، ومتى تبدأ المسؤولية؟
يا أستاذ عمرو..
نحن نفهم المزحة، ونفهم «الإفيه»، ونعرف أنك بارع في تقديمهما بطريقتك الخاصة، لكن هناك أشياء لا تحتاج إلى كثير من الشرح حتى ندرك لماذا تقوم طبيعتها أصلًا على السرية.
والعجيب في طرح أديب، أن تتحول المطالبة بالشفافية، وهي قيمة مهمة ومحترمة بلا شك، إلى «إفيه» يمكن أن يُفهم منه أن الشفافية تعني بالضرورة أن نكشف كل شيء للجميع!
لا يا أستاذ عمرو..
الشفافية الحقيقية ليست أن تعرف كل شيء، وإنما أن تعرف ما يحق لك أن تعرفه، وأن تكون هناك قواعد وضوابط، دون أن يتحول الأمر إلى كشف ما يجب أن يظل سريًا بحكم طبيعة العمل.
نحن لا نعترض على السخرية..
بل ربما نحتاجها أحيانًا.
لكن المشكلة أن بعض النكات قد تكون خفيفة على صاحبها، بينما هي ثقيلة جدًا على الفكرة التي تتناولها.
والإعلامي عمرو أديب يعرف جيدًا وزن الكلمة، ويعرف أن ما يقوله على الشاشة أو يكتبه على حساباته لا يبقى مجرد «إفيه» عابر، بل يصل إلى ملايين الناس، ويُناقش ويُقتطع ويُعاد نشره.
ولهذا فإن «خفة الدم» في الإعلام ليست مجرد قدرة على إضحاك الجمهور..
إنها أيضًا القدرة على معرفة متى نمزح، وماذا نمزح، وأين يجب أن نتوقف عن المزح!
يا عزيزي عمرو أديب..
احتفظ بخفة دمك، فنحن لا نريد منك أن تتحول إلى مذيع بلا ابتسامة.
لكن بعض الملفات لا تحتاج إلى «إفيه» بقدر ما تحتاج إلى قليل من الهدوء، وكثير من إدراك طبيعة الأشياء.
فليس كل ما يمكن أن يكون مادة للضحك..
يصلح بالضرورة أن يكون موضوعًا للنكتة.
وخفة الدم، مهما كانت مسلية، لا تعفي صاحبها من ثقل المسؤولية.
وأخيرًا..
طَمِّن قلبك يا عمور، أمورنا كلها في النور!
حفظ الله مصر.

الحسين عبدالرازق عن خفة دم عمرو اديب الجارديان المصريه