الإثنين 7 سبتمبر 2026 08:18 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

جمال المتولى جمعة يكتب: مصر بين فخ العقارات وضرورة الاقتصاد المنتج

الكاتب الكبير جمال المتولى جمعة
الكاتب الكبير جمال المتولى جمعة

مانحن فيه اليوم من ازمات اقتصادية لم يأت من فراغ ولم يكن نتيجة لحظة عابرة أو ظروف طارئة فقط وإنما هو حصيلة سنوات من السياسات والاختبارات التى تحتاج الى مراجعة حقيقية وشجاعة فمن أخطر ما يمكن أن يحدث لآى دولة أن تختزل مفهوم التنمية فى البناء والخرسانة وأن تتحول الدولة تدريجيا الى ما يشبه شركة عقارات بينما تهمل القطاعات المنتجة التى تصنع الثروة الحفيقية
لقد جرى التعامل مع الارض فى كثير من الاحيان باعتبارها مصدر الثروة الأساسي وكأن الانسان مجرد عنصر ثانوي فى معادلة التنمية رغم الحقيقة التى أثبتتها تجارب الآمم الناجحة تؤكد أن الانسان هو مصدر الثروة الاول والاهم فالارض وحدها لا تنتج والمبانى وحدها لا تصنع اقتصادا والمدن الجديدة لا تحقق التنمية ما لم يسكنها اقتصاد منتج وصناعة قوية وزراعة متطورة وتعليم جيد وبحث علمى قادر على الابتكار .
المشكلة تبدأ حين تحبس الارض عن اصحابها الحقيقين وهم الناس وتتحول الى سلعة تزداد قيمتها مع ندرتها بينما يعجز المواطن عن الحصول على مسكن أو قطعة أرض أو فرصة لإقامة مشروع منتج هنا تتحول التنمية من وسيلة لخدمة الإنسان الى مشروع يبحث فيه الانسان عن مكان لنفسه
ولا يمكن تجاهل ان الاهدار والانفاق غير الرشيد والجرأة على المال العام ساهمت بصورة كبيرة فى تعميق الازمة فالمال العام ليس مالا بلا صاحب بل هو مال الشعب وكل جنيه ينفق بلا دراسة أو نهدر دون حساب يدفع المواطن ثمنه فى النهاية ضرائب وديونا وتضخما وتراجعا فى مستوى الخدمات
والاخطر من ذلك هو غياب الرقابة والمحاسبة أو ضعفها فلا اقتصاد يمكن ان يستقيم اذا كان المسؤول لا يسأل عن قراراته ولا تراجع المشروعات بعد تنفيذها ولا تتم محاسبة من أخطأ أو أهدر أو أساء استخدام الموارد . الرقابة ليست تعطيلا للعمل والمحاسبة ليست انتقاما وانما هما ضمانه لحماية الدولة وأموال المواطنين ومستقبل الاجيال القادمة
إن الدول القوية ليست الدولة التى تبيع أكبر مساحة من الارض أو تشيد أكبر عدد من الابراج وإنما الدول التى تستثمر فى شعبها وتوفر له التعليم والصحة وفرص العمل وتدعم الانتاج وتفتح المجال أمام الزراعة والصناعة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة
نحن بحاجة الى اعادة ترتيب الاولويات نحتاج الى اقتصاد يقوم على الانتاج لا المضاربة وعلى الصناعة لا الاستيراد وعلى الانسان ولا الخرسانة وحدها نحتاج الى أن تصبح الارض وسيلة للإنتاج والتنمية لا مجرد اصل للبيع وتحقيق الايرادات
ان أخطر ما يمكن ان تفعله هو أن تترك الازمة تتفاقم دون ان نسأل أنفسنا اين أخطأنا؟ وكيف وصلنا الى هنا؟ فالمراجعة ليست خيانة والنقد ليس عداء والمحاسبة ليست هدفا للدولة بل الصمت عن الاخطاء هو الذى قد يؤدى الى استمرارها وتكرارها
لقد اثبت التاريخ ان الدول لا تنهض بما تملكه من اراض فقط بل بما تملكه من بشر قادرين على تحويل الموارد الى ثروة والعلم الى انتاج والافكار الى مشروعات والعمل الى قوة اقتصادية حقيقية .
فمصر لاتحتاج الى المزيد من الخرسانة بقدر مانحتاج الى بناء الإنسان ولا تحتاج الى بيع المزيد من الأرض بقدر ماتحتاج الى استثمارها ولا تحتاج الى المزيد من الاقتراض بقدر ماتحتاج الى اقتصاد ينتج ويصدر ويخلق فرص العمل ,
لقد أن الاوان لأن نعيد تعريف التنمية , التنمية ليست ما نبنيه فقط وإنما ما ننتجه وما نعلمه وما نزرعه وما نصنعه وما نوفره للإنسان المصرى من حياة كريمة وفرصة حقيقية للمستقبل .
#جمال المتولى جمعة
كاتب وباحث اقتصادي ومحام بالاستئناف العالي ومجلس الدولة

جمال المتولى جمعة مقالات جمال المتولى جمعة مصر بين فخ العقارات وضرورة الاقتصاد المنتج الجارديان المصريه