الأربعاء 9 سبتمبر 2026 08:00 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

جمال المتولى جمعة يكتب: يا سيادة المحافظ.. قبل أن تحاسب مديرة المدرسة, أسال أين مخصصات المدرسة

الكاتب الكبير جمال المتولى جمعة
الكاتب الكبير جمال المتولى جمعة

لم تكن واقعة مديرة مدرسة الشهيد احمد سمير بكفر الجزار مجرد مشادة عابرة بين مسؤول ومديرة مدرسة وإنما كشفت عن قضية أكبر بكثير تتعلق بعلاقة المواطن بالدولة وبمن يتحمل تكلفة الخدمات العامة التي يحصل عليها المواطنون .
خلال جولة المحافظ تعرضت مديرة المدرسة للوم بسبب مستوى الاستعدادات والنظافة فردت بأنها والوكيلة انفقتا من مالهما الخاص على احتياجات المدرسة , وقدمت مالديها من مستندات وفواتير وبغض النظر عن تفاصيل الواقعة التي يجب أن تحسمها الجهات المختصة فإن السؤال الاهم يظل قائما: لماذا تضطر مديرة مدرسة حكومية أصلا الى دفع أموال من جيبها لإصلاح مرافق أو توفير احتياجات اساسية داخل المدرسة ؟
فالمواطن المصري ليس متلقيا لخدمة مجانية تقدمها له الحكومة من أموالها الخاصة, المواطن هو أحد ممولي الخزانة العامة من خلال الضرائب والرسوم .وضريبة القيمة المضافة وغيرها من الموارد وهو يدفع الضريبة على دخله ثم يدفعها مرة أخرى عندما يشترى احتياجات أسرته ويدفع مقابل الخدمات ثم يجد نفسه فى أحيان كثيرة مضطرا الى الانفاق من جيبه للحصول على خدمة كان يفترض أن توفرها له الدولة , يدفع للمدرسة الحكومية ثم يدفع درسا خصوصيا .ويدفع لتمويل الصحة من خلال الضرائب , ثم قد يضطر الى شراء الدواء والمستلزمات أو اللجوء الى مستشفى خاص . ويدفع للمدرسة ثم قد يطلب من ولى الأمر الساهمة فى اصلاح نافذة أو شراء ثلاجة أو مروحة أو توفير بعض المستلزمات الاخرى .بل أن الامر يصل الى بعض المناطق الى ان يتحول الآهالى وخاصة الارياف الى جهة تمويل حقيقية للمدارس من خلال التبرعات والمساهمات حتى تستمر العملية التعليمية , وهنا يصبح المواطن ممولا للخدمة العامة مرتين مرة بصورة رسمية من خلال الضرائب ومرة بصورة غير رسمية من خلال التبرعات والإنفاق من جيبه .
ومن أين تمول أجهزة المحافظة والمدارس والمستشفيات والمصالح الحكومية الاخرى ؟ انها فى النهاية من أموال الموازنة العامة ,والمواطنون هم الذين يساهمون فى تمويلها لذلك عندما تنفق مديرة مدرسة من راتبها على مدرستها فهي لا تستحق أن تعامل باعتبارها عبئا على الدولة وإنما ينبغي أن نسأل اولا: اين المخصصات المالية التي كان يفترض أن توفر هذه الاحتياجات ؟ وإذا كانت هناك مخصصات ولم تصل فالمشكلة في الادارة , واذا لم تكن هناك مخصصات كافية فالمشكلة في الموازنة . واذا كانت الموازنة لا تستطيع توفير احتياجات مدرسة , فالمشكلة أكبر من المدرسة نفسها, لا تحاسبوا الموظف على عجز لم يصنعه . نحن نحتاج الى تغيير فلسفة التعامل مع الموظف الحكومي , لا يمكن ان تطلب من مدير المدرسة أن يحقق افضل النتائج ثم لا توفر له الكهرباء والمياه والصرف الصحي والنظافة والصيانة والمستلزمات .
لا يمكن ان تطلب من الطبيب أن يقدم خدمة طبية جيدة ثم نترك المستشفى تعانى نقص المستلزمات الطبية . ولا يمكن ان نطالب المعلم ببناء الإنسان بينما لا توفر له البيئة التعليمية المناسبة . المحاسبة الحقيقية تبدأ بتوفير الامكانات ثم محاسبة المسؤول عن استخدامها . المواطن الذى يطالب بمدرسة نظيفة أو مستشفى مجهز أو شارع صالح أو خدمة حكومية محترمة لا يطلب من الدولة صدقة انه يطلب بحقه , لقد دفع هذه الخدمات مقدما من خلال الضرائب التى يدفعها والرسوم التي يتحملها والاسعار التي تتضمن ضرائب غير مباشرة لذلك فإن عبارة " الدولة بتصرف" تحتاج الى مراجعة , الدولة لا تصرف من جيبها , الدولة تنفق من المال العام . والمال العام فى النهاية مال المواطنين .
ان واقعة كفر الجزار يجب ألا تنتهى بإنتهاء الجولة أو تداول مقطع على مواقع التواصل الاجتماعي , ينبغى أن تكون فرصة لفتح ملف تمويل المدارس وصيانتها .كم مدرسة تعانى نقصا فى العمال ؟, كم مدرسة تحتاج الى صيانة ؟ كم مدرسة يضطر مديروها الى البحث عن التبرعات؟ كم مدرسا ينفق من ماله الخاص على مستلزمات عمله؟ هذه الاسئلة أهم بكثير من البحث عن مخطىء فى مشهد عابر , فالهدف ليس الدفاع عن مديرة المدرسة اذا كانت مخطئة ولا مهاجمة المحافظ اذا كان يؤدى واجبة فى المتابعة , الهدف ان نعرف لماذا وصلنا الى مرحلة يصبح فيها مدير المدرسة مطالبا ان يكون مديرا وممولا فى الوقت نفسه . اذا كانت الموازنة تعانى من ضغوط الديون وفوائدها فهذه قضية يجب ان تناقش بشفافية لكن لايجوز أن يتحول المواطن الى ممول إضافي لعجز المرافق العامة .

#جمال المتولى جمعة
المحامى – مدير أحد البنوك الوطنية بالمحلة الكبرى سابقا

جمال المتولى جمعة يا سيادة المحافظ.. قبل أن تحاسب مديرة المدرسة أسال أين مخصصات المدرسة الجارديان المصريه