الخميس 10 سبتمبر 2026 01:39 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

د .محمد الأمين يكتب : أنت ترى الموقف... ولا ترى الحكاية

د. محمد الأمين
د. محمد الأمين

نحن لا نحكم على أفعال الآخرين كما هي، بل نحكم عليها كما نراها نحن، وهذه هي المشكلة.

فالإنسان حين يرى سلوكًا لا يفهمه، يسارع غالبا إلى تفسيره من خلال تجربته الخاصة، ثم يحول هذا التفسير إلى حقيقة، والحقيقة إلى حكم. نرى شخصًا لا يرد على رسالة، فنقول إنه يتجاهلنا. نرى آخر يرفض مساعدتنا، فنصفه بالأنانية. نرى شخصا قليل الكلام، فنعتبره متكبرا. وقد نرى إنسانا تغير مع الوقت، فنقرر ببساطة أنه لم يعد كما كان.

لكن ماذا لو كانت كل هذه الأحكام مبنية على نصف مشهد؟

إن أكبر مشكلة في أحكامنا على الآخرين أننا نرى التصرف، ولا نرى الظروف التي صنعت التصرف. نرى النتيجة، ولا نعرف مقدماتها. نلتقط لحظة واحدة من حياة إنسان، ثم نتعامل معها وكأنها تختصر حياته كلها.

قد يتأخر شخص في الرد لأنه يقف بجوار مريض في المستشفى. وقد يبدو الأب قاسيًا حين يرفض طلبًا لابنه، بينما هو في الحقيقة يحاول أن يوازن بين رغبات أبنائه وقدرته المحدودة. وقد يبدو الموظف عصبيًا أو جافًا، بينما يحمل في داخله خبرًا مؤلمًا لا يعرفه أحد.

المشهد الذي رأيته قد يكون صحيحًا، لكن تفسيرك له قد لا يكون صحيحًا.

وهنا تكمن المسافة بين الرؤية والحقيقة.

نحن نميل بطبيعتنا إلى ملء الفراغات التي لا نعرفها. فإذا غابت عنا معلومة، اخترع العقل تفسيرًا ينسجم مع توقعاتنا وتجاربنا السابقة. وإذا كنا قد تعرضنا للخيانة من قبل، فقد نفسر تحفظ الآخرين على أنه خيانة محتملة. وإذا اعتدنا أن نربط الصمت بالتجاهل، فقد نرى في صمت الآخرين إهانة حتى لو لم يكن كذلك.

ولهذا فإننا لا نرى الآخرين دائما كما هم، وإنما كما تسمح لنا تجاربنا أن نراهم.

ومن هنا تبدأ كثير من سوء الفهم والعلاقات المكسورة.

قد يتغير شخص لأنه تألم، فنراه متكبرًا. وقد يبتعد لأنه أدرك أن العلاقة تستنزفه، فنراه جاحدا. وقد يصبح أكثر صمتا لأنه تعلم ألا يمنح ثقته بسهولة، فنراه باردا. وربما يكون ما نعتبره عيبا في شخص ما مجرد أثر لمعركة طويلة لم نشهد منها إلا نهايتها.

فالإنسان ليس موقفًا واحدًا، ولا كلمة واحدة، ولا لحظة عابرة.

كل إنسان يحمل وراءه تاريخًا من التجارب والنجاحات والانكسارات والخوف والأمل والخذلان. يحمل أشياء لا تظهر في ملامحه، ولا يمكننا الوصول إليها بمجرد النظر إلى تصرف عابر.

ولهذا فإن وضع الإنسان في قالب ثابت بناء على موقف واحد هو نوع من الظلم المعرفي قبل أن يكون ظلمًا أخلاقيًا.

حين نقول عن شخص: "هو أناني"، فنحن لا نصف موقفًا، بل نصدر حكمًا على شخصيته كلها. وحين نقول: "هو لا يهتم"، فنحن ندعي معرفة ما في داخله، مع أننا لا نملك إلا سلوكًا واحدًا رأيناه من الخارج.

والإنصاف يقتضي أن نفرق بين الحكم على السلوك والحكم على الإنسان.

يمكننا أن نقول: "هذا التصرف أزعجني"، دون أن نقول: "أنت شخص سيئ".

يمكننا أن نرفض ما فعله الآخر، دون أن ندعي أننا نعرف دوافعه.

يمكننا أن نضع حدودا لحماية أنفسنا، دون أن نحول اختلافنا معه إلى إدانة كاملة لشخصه.

فالتعاطف لا يعني أن نبرر كل شيء، كما أن التفهم لا يعني أن نقبل الإساءة. إنما يعني أن ندرك حدود معرفتنا، وأن نترك مساحة لاحتمال أن تكون هناك قصة لا نعرفها.

وربما أكثر الأسئلة التي نحتاج إلى طرحها على أنفسنا قبل الحكم هو: ماذا لو كنت مكانه؟

لكن المقصود ليس أن نتخيل أنفسنا في موقفه فقط، وإنما أن نتخيل أنفسنا بظروفه أيضا.

أن نملك ذاكرته، ونعيش تجاربه، ونحمل مخاوفه، ونواجه خساراته، ونرى العالم من الزاوية التي يراه منها.

فقد نكتشف عندها أن الحكم الذي بدا لنا واضحا من بعيد، لم يكن بهذه البساطة من الداخل.

نحن نطالب الآخرين كثيرًا بأن يفهموا ظروفنا. نقول: "أنت لا تعرف ما أمر به"، ونغضب حين يحكم علينا أحد من موقف واحد. لكننا ننسى أن الآخرين قد يقولون الشيء نفسه عنا.

نحن نطلب لأنفسنا مساحة من الرحمة، ثم نحرم الآخرين منها.

نحن نعرف الظروف التي سبقت أخطاءنا، ولذلك نفهم أنفسنا. أما الآخرين فلا نرى إلا الخطأ، فنحاكمهم عليه.

وربما يكون النضج الحقيقي هو أن نتعامل مع هذه الحقيقة بوعي: لسنا نعرف كل شيء.

لا نعرف ما الذي يمر به الآخر في هذه اللحظة، ولا نعرف كم مرة حاول أن يقاوم، ولا نعرف كم ألمًا يخفي خلف هدوئه، ولا نعرف لماذا اختار الصمت بدلا من الكلام، أو الابتعاد بدلا من البقاء.

ولهذا قد يكون أحيانا أكثر المواقف حكمة أن نتوقف عن تفسير ما لا نعرفه.

أن نقول ببساطة: "ربما هناك شيء لا أعرفه".

هذه الجملة الصغيرة قادرة على أن تمنع أحكامًا كثيرة، وقطيعة كثيرة، وظلما كثيرًا.

فالحياة ليست كما تبدو من الخارج دائما. والناس ليسوا كما يظهرون في لحظة واحدة. قد يكون خلف القسوة خوف، وخلف الصمت ألم، وخلف الابتعاد تجربة، وخلف التغير نضج لم ننتبه إليه.

ليس مطلوبًا منا أن نحب الجميع، ولا أن نبرر أخطاء الجميع، ولا أن نبقى في علاقات تؤذينا. لكن المطلوب ألا نمنح أنفسنا يقينا أكبر من معرفتنا.

أن نكون عادلين في أحكامنا، متأنين في تفسيرنا، رحماء في نظرتنا إلى البشر.

فربما كان الشخص الذي حكمنا عليه يوما يحتاج إلى أن نفهمه أكثر مما يحتاج إلى أن ندينه.

وربما كان الموقف الذي أغضبنا، لو عرفنا قصته كاملة، سيبدو لنا مختلفا تماما.

في النهاية، نحن نرى جزءًا صغيرًا من حياة الآخرين، بينما يعيشون هم القصة كاملة.

د.محمد الأمين ترى الموقف... ولا ترى الحكاية الجارديان المصريه