الجمعة 18 سبتمبر 2026 02:30 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

وصفى هنرى يكتب من فبينا : خريف الفرح

الكاتب الكبير وصفى هنرى
الكاتب الكبير وصفى هنرى


في مدرستي المعهد العلمي الخاصة بشارع مسلمة بحي السادات الراقي الواقع على كورنيش النيل المقابل لمنيل الروضة ، كان هناك تقليد متَّبع مع بداية كل عام دراسي، وهو التقاط صورة تذكارية لتلاميذ الفصل. وها هي ذكريات خريف 1960 تطل من جديد بعد مرور ٦٧ عاما .
مع آخر يوم في أغسطس من كل عام كنّا نستعد لبداية العام الدراسي بعد إجازة صيفية مدتها شهران ، كان أول يوم في الدراسة له فرحة غامرة ، وطقوس الاستعدادات له كانت تبدأ قبلها بأسبوع .
قبل دخولي الصف السادس الابتدائي ذهبت مع والدي إلى شارع سليمان باشا ( طلعت حرب ) إلى محل ملابس "مجدي" المفضل لديه ، فيشترى لي قميصين أبيضين وبنطلونين قصيرين ، أحدهما رمادي والآخر أسود، وجوربين أبيضين، إضافةً إلى "الغيارات" والمناديل البيضاء والبيجامات الكستور كنا نشتريها من القاضي وحسين ، أما الحقيبة فكنّا نشتريها من محل بجوار سينما مترو ، والحذاء طلبناه تفصيلًا من محل في حينا ، وكان محل صانع الأحذية يقع على الكورنيش اما محطة البنزين بجوار صالون أحمد حلاوة ( الحلاق )، وقد بلغت تكلفة الحذاء وحده في ذلك الوقت 120 قرشًا ، اما حذاء الرياضة فكنا نشتريه من باتا في ميدان الروضة وكان يتراوح ثمن الحذاء بين ٢٥ وخمسين قرشا .
في أول يوم في الدراسة كنّا نذهب إلى مكتبة عبد العليم لنشتري ما طُلب منا من الأدوات المدرسية ، كراريس ، وأغلفة لتجليدها ، وبرجل، ومسطرة، وأقلام حبر وجاف ورصاص، ومنقلة، ومثلث، وبراية، واستيكة، وأقلام جواش وألوان مائية .
طقوس الليلة الكبيرة لدخول اول يوم في المدرسة كانت تبدأ بأن تقوم أمي بتقليم أظافر القدمين واليدين ، ثم حمام دافئ تُشرف عليه بنفسها حتى كنت أتخيل أنني فقدت جلد ظهري من شدة الدعك باللوفة غير الصابون الذي كان يلهب عيناي . قبل النوم أرتب ملابسي الجديدة على مقعد بجوار السرير ، البنطلون القصير، والقميص المكوي ، والشراب ، وفوقهم منديل أبيض معطَّر ، أما الحذاء فكنت أكاد أحتضنه معي بعد تنظيف نعله الذي اتسخ عند تجربته .
أستيقظ مبكرًا ، وتكون أمي قد جهزت لي كوبًا من الشاي باللبن مع "قرقوشة". أقف أمام المرآة مزهوًا بملابسي الجديدة ، وشفتي السفلى المشقوقة دائمًا مع حلول فصل الخريف . وقبل أن أخرج تكون أمي قد دسّت في يدي نصف رغيف فينو بالحلاوة الطحينية، ونصف رغيف بلدي بالفول والليمون المخلل .
كانت المدرسة أمام بيتنا مباشرة، إذ لم يكن عليّ سوى عبور الطريق، نقف في طابور المدرسة ، نحيي العلم، وننشد النشيد الوطني
الله أكبر الله أكبر
الله أكبر فوق كيد المعتدي
والله للمظلوم خير مؤيد على أنغام البيانو التي كانت تعزفها أبلة هدى مدرسة الموسيقي . ثم تمر الناظرة شخصيًا في أول يوم ، وبجوارها دادة نعيمة، وكل واحد منّا مادٍّآ يده مطبقًا على المنديل الأبيض باليد اليمنى، لتفتش اليدين من الأمام والخلف ، اتذكر بقوة ابلة ڤيكتوريا وابلة سادات واستاذ محمد .
مع بداية الحصة الثالثة، كنت أترقب جرس الفسحة لألتهم سندوتشاتي .
ايه اللي فاضل عالجنة
ڤيينا ٧ توت ٦٢٦٨
الخميس ١٧سبتمبر ٢٠٢٦
.............................................................................................
الذين أتذكرهم جيدًا في الصورة المرفقة: عن شمالي جلوسًا على الأرض محمد تهامي، وعن يميني أشرف مصطفى، حسني جاد، نبيل عبد اللطيف، يوسف خليل، ثم المرحوم يوسف عرفة.
أما الفتيات فمن اليمين: نجوى، وسناء، وكاميليا، ثم جواهر (كويتية). وعلى أقصى الشمال جلوسًا عبد العزيز.
أما وقوفًا فأذكر: الثاني من اليمين محمد قاسم، والخامس محمد ربيع، والسادس عماد بطراوي (الصحفي والفنان التشكيلي).

aa2e8ee191a8.jpg
وصفى هنرى خريف الفراخ الجارديان المصريه