الجمعة 18 سبتمبر 2026 02:30 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

ضاحى عمار يكتب: مكة في مرمى التصعيد حين تقترب النار من قلب العالم الإسلامي

الكاتب الكبير ضاحي عمار
الكاتب الكبير ضاحي عمار

تقترب المواجهة السعودية ـ الحوثية من واحدة من أكثر النقاط حساسية في المنطقة، بعدما أعلنت السعودية اعتراض طائرة مسيرة جنوب مكة المكرمة قبل دخولها المجال الجوي المحظور للمدينة المقدسة. وبينما وصفت الرياض الواقعة بأنها محاولة لاستهداف مكة، نفت جماعة الحوثي ذلك، مؤكدة أن عملياتها تستهدف مواقع عسكرية ومنشآت نفطية. وبين الروايتين يبرز مشهد شديد الحساسية، تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع أمن المقدسات، بينما تتسع دائرة التصعيد لتشمل منشآت حيوية وطرقاً استراتيجية لنقل الطاقة.
خطر متصاعد
ولا تتوقف خطورة الحادث عند تحديد الجهة التي أطلقت المسيرة أو نيتها النهائية، بل تمتد إلى تداعيات اقتراب أدوات الحرب من المقدسات، بالتزامن مع تصعيد يطال المنشآت الحيوية وطرق نقل الطاقة. فكلما اتسعت دائرة الهجمات، تراجعت المسافات الفاصلة بين الجبهة العسكرية والمراكز الدينية والمنشآت الاستراتيجية، وأصبح أي خطأ في التقدير قابلاً لإشعال أزمة تتجاوز حدود المواجهة المباشرة.
اعتراض حاسم
أفادت قيادة تحالف دعم الشرعية بأن القوات السعودية اعترضت ودمرت الطائرة المسيرة جنوب مكة قبل وصولها إلى المجال الجوي المحظور. وقال المتحدث باسم التحالف، اللواء الركن تركي المالكي، إن الواقعة تمثل المحاولة الثانية التي تعلن السعودية ارتباطها باستهداف مكة، بعد اعتراض صاروخ باليستي عام 2017، مؤكداً أن أمن الحرمين الشريفين وضيوف الرحمن يمثل خطاً أحمر بالنسبة إلى المملكة.
رواية مقابلة
في المقابل، نفى مسؤولون حوثيون استهداف مكة، وقالوا إن الهجمات التي تعلن الجماعة تنفيذها تستهدف مواقع عسكرية ومنشآت نفطية. وبين الروايتين، تبقى الوقائع المؤكدة محصورة في إسقاط المسيرة جنوب مكة، بينما تظل نيتها وهدفها النهائي موضع خلاف بين الطرفين، وهو ما يفرض التعامل مع المعلومات المعلنة بحذر، بعيداً عن التسرع في حسم ما لم تثبته الأدلة بصورة مستقلة.
حرمة مقدسة
غير أن مجرد اقتراب طائرة مسيرة من محيط مكة يرفع مستوى المخاطر بصورة استثنائية، فالمدينة تحتضن المسجد الحرام والكعبة المشرفة، وتحظى بمكانة دينية تتجاوز حدود السعودية والمنطقة العربية. لذلك جاءت ردود الفعل العربية والإسلامية سريعة، إذ أدان الأزهر الشريف ما وصفه بمحاولة استهداف مكة، كما أعلنت جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي مواقف رافضة لأي تهديد يطال المقدسات.
قراءة أمنية
ويرى اللواء يونس السبكي، الخبير الاستراتيجي، أن خطورة التطور تكمن في انتقال أدوات الصراع من استهداف المواقع العسكرية التقليدية إلى الاقتراب من مناطق ذات حساسية دينية واقتصادية وأمنية في آن واحد. ويوضح أن الطائرات المسيرة أصبحت عنصراً رئيسياً في الحروب الحديثة، نظراً إلى انخفاض تكلفتها مقارنة بحجم التأثير المحتمل، وقدرتها على فرض حالة استنفار مستمرة على مساحات واسعة، وهو ما يجعل مواجهتها جزءاً أساسياً من منظومة الأمن الحديثة.
حسابات معقدة
وتزداد حساسية المشهد لأن السعودية تواجه معادلة مركبة: حماية المدن والمنشآت النفطية، والحفاظ في الوقت نفسه على أعلى مستويات الأمن حول المقدسات. ويجعل ذلك اعتراض المسيرة قبل دخول المجال المحظور نجاحاً مهماً في احتواء الخطر، لكنه لا يلغي الحاجة إلى معالجة أصل المشكلة، أي استمرار التصعيد واتساع نطاق الأهداف المحتملة، بما قد يفرض أعباء أمنية وعسكرية متزايدة.
رؤية سياسية
وتقول المحللة السياسية رشا فتحي، أمين التواصل الجماهيري بحزب مستقبل وطن وعضو الاتحاد العربي للتنمية المستدامة، إن الاقتراب من مناطق دينية أو منشآت استراتيجية يحول العملية العسكرية سريعاً إلى أزمة سياسية واسعة. فمكة تمثل رمزاً جامعاً لمئات الملايين من المسلمين، وأي تهديد يطالها يمكن أن يطلق تداعيات شعبية ورسمية تتجاوز أطراف الحرب نفسها، ويضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أكبر في منع توسع دائرة المواجهة.
ضغط نفطي
وتزامنت واقعة مكة مع هجمات أعلنت السعودية تعرض مناطق مختلفة لها، فيما تحدثت تقارير عن استهداف مواقع نفطية وقواعد عسكرية ومنشآت حيوية. كما تعرض خط الأنابيب السعودي شرق ـ غرب لأضرار، وهو مسار استراتيجي مهم لنقل النفط بعيداً عن مضيق هرمز، بما يضيف بُعداً اقتصادياً إلى المشهد الأمني المتوتر.
أزمة عالمية
وهنا تنتقل المخاطر من حادث أمني محدود إلى احتمال أزمة تؤثر في الأسواق العالمية. فأي تعطيل طويل الأمد لمسارات تصدير النفط السعودية قد يضغط على حجم المعروض العالمي ويرفع أسعار الخام، خصوصاً في ظل اضطرابات الطاقة المرتبطة بتوترات المنطقة. كما أن استمرار التهديدات للمنشآت الحيوية يجعل أمن الطاقة جزءاً لا ينفصل عن الحسابات العسكرية، بعدما أصبح أي هجوم على مسارات النفط قادراً على تجاوز تأثيره حدود الدولة المستهدفة.
اتساع المواجهه
ولا تبدو واقعة مكة منفصلة عن هذا المسار، إذ أعلنت السعودية تعرض مناطق عدة لهجمات، بينما أعلن الحوثيون تنفيذ عمليات بالصواريخ والطائرات المسيرة ضد أهداف قالوا إنها عسكرية ونفطية. وفي المقابل، نفذت السعودية ضربات جوية في اليمن، لتدخل المواجهة مرحلة أوسع من تبادل الضربات، مع تزايد المخاوف من امتدادها إلى طرق الملاحة والمنشآت الحيوية وسلاسل إمداد الطاقة.
اختبار الردع
وتكشف التطورات أن المعركة لم تعد تقاس بعدد الصواريخ والطائرات المسيرة، بل بقدرة كل طرف على حماية منشآته الحيوية ومنع خصمه من فرض معادلة جديدة. فاعتراض المسيرة يمثل اختباراً لمنظومة الدفاع الجوي السعودية، بينما يمثل استمرار الهجمات اختباراً لقدرة الرياض على حماية مساحة واسعة من أراضيها دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة متعددة الجبهات
خطر الحسابات
وتزداد خطورة المشهد مع استمرار الاتهامات المتبادلة، لأن أي خلل في تحديد الهدف أو مسار السلاح قد يؤدي إلى أزمة تتجاوز الحسابات العسكرية والسياسية المعتادة. ومن ثم، فإن حماية المقدسات وأمن الطاقة لا يتطلبان جاهزية دفاعية فحسب، بل يحتاجان أيضاً إلى كبح التصعيد ومنع تحويل المدن والمنشآت الحيوية والممرات الاستراتيجية إلى ساحات دائمة للمواجهة.
مواجهه مفتوحة
وبينما تؤكد السعودية أن أمن أراضيها ومقدساتها غير قابل للمساس، يواصل الحوثيون نفي استهداف مكة والتأكيد على أن عملياتهم موجهة إلى أهداف أخرى. لكن التطورات تكشف أن المنطقة تقف أمام تصعيد بالغ الحساسية؛ فأي انتقال جديد من استهداف المنشآت إلى الاقتراب من المقدسات قد يفتح باباً لأزمة أكبر بكثير من حدود الحرب القائمة، ويضع أمن العالم الإسلامي والطاقة الدولية أمام اختبار شديد التعقيد، في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى احتواء التصعيد قبل أن يتحول من سلسلة هجمات متبادلة إلى مواجهة يصعب التحكم في مساراتها ونتائجها

ضاحى عمار مقالات ضاحي عمار مكة في مرمى التصعيد حين تقترب النار من قلب العالم الإسلامي الجارديان المصريه