الإثنين 21 سبتمبر 2026 12:12 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

محمد عبدالله القاضى يكتب : إن الأمم العظيمة لا تُبنى بتهديم الضمائر، ولا تُشيّد حضاراتها على أنقاض الوعي المغيب

الكاتب الكبير محمد عبدالله القاضي
الكاتب الكبير محمد عبدالله القاضي

ثنائية الفن والإعلام بين بؤس الابتذال وسمو الرسالة
​ وحين تتأمل واقعنا المعاصر، تجد أن أخطر معارك العصر تُدار في ساحات الوجدان والعقل؛ حيث يقف الفن والإعلام بوصفهما الحد الفاصل بين نهضة الأمم وسقوطها، فهما إما جناحان تحلق بهما الأنسانية نحو المجد والفضيلة، أو معاول هدم تسقط بالمجتمعات في درك التجهيل والانحطاط.
​أولاً: الفن الهابط.. تجارة الفسق ومخدرات الوعي
​حين يتجرد الفن من رسالته السامية ويتحول إلى سلعة رخيصة، فإنه يهبط إلى قاع الابتذال ليفرز ما يُعرف بـ "الفن الماجن"؛ وهو ذلك الفن الذي يتخذ من التعري اللفظي والقيمي، وترويج البلطجة، ونشر الفسق والفجور بضاعةً لتسليط الضوء على السفاهة.
​عواقب الفن الهابط:
​تسطيح العقول وتغييب الغاية: استبدال الهموم الفكرية الكبرى بقضايا العبث والشهوات العمياء، مما يخلق جيلاً عاجزاً عن التفكير النقدي أو تحمل المسؤولية.
​تطبيع الرذيلة والبلطجة: تحويل نماذج الانحراف والبلطجة إلى أبطال وهميين يُحتذى بهم، مما ينعكس مباشرة على تصاعد العنف المجتمعي وتفكك المنظومة الأخلاقية.
​اغتيال الهوية: طمس ملامح الأصالة والثقافة الرفيعة لصالح ثقافة مستوردة من مستنقعات السطحية.
​ثانياً: الفن الراقي الهادف.. شمعة الروح وبناء الإنسان
​في المقابل، يبرز الفن الراقي النبيل كمرآة صافية تعكس جمال الروح وعمق الانتماء. إنه الفن الذي يؤمن بأن الكلمة الطيبة واللحن الهادف واللوحة الصادقة هي أدوات لترقية الوجدان لا لإفساده.
​يغذي هذا الفن جذور الفضيلة في النفوس، ويطرح قضايا المجتمع بأسلوب أدبي رفيع يحترم عقل المتلقي ووجدانه.
​يحرس الهوية الوطنية والأخلاقية، ويقف صداً منيعاً أمام كل محاولات تدنيس الذوق العام، ليظل الفن الحق نافذة يطل منها الإنسان على أسمى معاني الجمال والكرامة.
​ثالثاً: الإعلام الموجه المنافق.. أبواق التزييف واللجان المأجورة
​إن أسوأ ما يبتلى به وطن ما هو ظهور إعلام بلا ضمير؛ إعلام يرتدي ثوب الزيف، وتديره لجان إلكترونية مأجورة وأقلام مرجفة لا تقيم وزناً للحقيقة.
​خصائص الإعلام المنافق:
​سياسة التخوين والصوت الواحد: يعتمد هذا الإعلام على إقصاء الرأي الآخر، وتوجيه الاتهامات والتشويه لكل صوت حر ينتقد نقدًا بناءً أو يطرح أمراً للمناقشة الموضوعية، متبعا نهج الببغاوات في ترديد ما لا يفهمون.
​تغييب الشعب: كما قيل بحق: "اعطني إعلاماً بلا ضمير، أعطيك شعباً مغيباً". فهذا الإعلام يهدف إلى صناعة وعي زائف، وتبرير الفساد، وتجميل القبح، وضرب ثقة المواطن في وطنه ومقدراته تحت شعارات مزيفة.
​رابعاً: الإعلام الهادف النبيل.. ضمير الأمة ونافذة الحقيقة
​في كفة النقيض، يرتفع شأن الإعلام المهني الصادق؛ الإعلام الذي يتخذ من الموضوعية والحياد والشجاعة دروعاً.
​هو الإعلام الذي ينقل الحقيقة مجردة، ويتبنى هموم المواطن، ويقدم نقداً إصلاحياً بأسلوب وطني راقٍ يعالج الخخطأ دون تطاول أو هدم.
​لا يخشى الحوار، ولا يرهب النقد البناء، بل يؤمن بأن قوة الدول تكمن في وعي أبنائها لا في تكميم أفواههم، وبأن الكلمة أمانة كبرى تُسأل عنها الضمائر قبل الأقلام.
إن معركة الوعي اليوم هي معركة الوجود الأبقى للأمم. ولن تستقيم عود أمة إلا إذا طهرت ساحاتها الإعلامية من أبواق الزيف، ونقت مسارحها وفنونها من رجس الابتذال، لتعود الكلمة الحرة والفن النبيل منارين يستضيء بهما جيل المستقبل على درب الحق والكرامة.

محمد عبدالله القاضى إن الأمم العظيمة لا تُبنى بتهديم الضمائر ولا تُشيّد حضاراتها على أنقاض الوعي المغيب الچارديان المصرية