الإثنين 21 سبتمبر 2026 12:18 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

شحاته زكريا يكتب: نبض الشريان.. حين تنطق الجغرافيا بلغة المسؤولية

الكاتب الكبير شحاتة زكريا
الكاتب الكبير شحاتة زكريا

ثمة بقاع على ظهر هذا الكوكب لا تملك ترف العزلة ولا خيار الانزواء كُتب عليها منذ فجر التاريخ أن تظل شواهد حية على مسار الحركة الإنسانية، وأن تكون رئة يتنفس منها العالم كلما اضطربت أنفاسه. ومصر في طليعة تلك الجغرافيات التي لم تصنع حدودها المصادفة بل نحتتها مسؤولية التاريخ والجغرافيا معا فحيثما تحركت قوافل التجارة، أو اضطربت بحار الشرق، أو تفرقت الطرق بين آسيا وأوروبا، استدارت بوصلة العالم تلقائياً نحو هذه الأرض.
تتجه الأنظار من مضيق هرمز وصولا إلى باب المندب ثم صعودا عبر رئة البحر الأحمر لتذكرنا تضاريس الإقليم المأزوم بأن الموقع الاستراتيجي ليس مجرد هبة طبيعية نتغنى بأمجادها ولا تركة جامدة نعيش على ريعها بل هو في جوهره عبء ثقيل ومسؤولية كبرى لا تُورث إلا باليقظة والاقتدار لقد حمل هذا الخريف رسائل طمأنة بالغة الدلالة فعلى وقع عودة أسراب الملاحة العالمية واختراق سفن الحاويات العملاقة—وعلى رأسها «OOCL PORTUGAL»—لمياه القناة مع استئناف خطوط دولية كبرى كـ «COSCO» مساراتها الأصيلة بعد فترات عاصفة من الترقب والقلق الإقليمي سجلت الأرقام ارتفاعا مشهودا في الحمولات الصافية. غير أن قراءة هذا المشهد من منظور بيانات الشحن ورسوم العبور وحدها تعد قراءة قاصرة فالأمر يتجاوز أطنان البضائع ومؤشرات الإيرادات الرسالة الأعمق التي تصدح بها أمواج السويس هي أن التجارة الدولية، وإن ألجأتها الأزمات إلى الالتفاف حول مسارات بديلة ودفع أثمان باهظة في الوقود والزمن وأقساط التأمين تظل في نهاية المطاف مدفوعة بضرورة حتمية لا فكاك منها: البحث عن المسار الأقصر والأكثر أمانا وكفاءة. وهنا تبرهن قناة السويس أنها ليست شريانا مصريا فحسب بل هي عصب الاقتصاد الإنساني بأسره. إنها همزة الوصل بين مزارع ينتظر حصاده وقودا ومصنع يبحث عن مواده الأولية وأسرة في أقصى الشمال تترقب دفء الشتاء في سلعة عابرة للمحيطات لكن التاريخ علّمنا درسا قاسيا لا يرحم الكسالى: الجغرافيا وحدها لا تحمي نفسها الموقع المتميز يمنحك بطاقة دخول إلى حلبة التنافس الدولي لكنه أبدا لا يضمن لك البقاء على قيد الحضور. البقاء في قلب العالم يصنعه الإنسان، وتديره الكفاءة، وتصونه القدرة على امتصاص الصدمات واجتياز العواصف. حين تعبر تلك القلاع البحرية سارية المجرى الملاحي بأمان فإن الفضل لا يعود إلى سكون الماء بل إلى عقل يقظ يقف خلف الدفة إلى مرشدين مصريين يحملون إرثا ممتدا عبر سبعين عاما منذ تأميم القناة وملحمة الإرشاد الوطني ومهندسين يحسبون تدفق التيارات وحركات المد والجزر بالميليمتر وأطقم أمن وسلامة تعمل على مدار الساعة بلا كلل. هنا يكمن التحول الجوهري في وعينا الوطني الحديث: الانتقال من منطق القناة الممر إلى مفهوم القناة المركز. لم يعد الطموح محصورا في تعميق غاطس أو ترويض انحناءة في المجرى وإنما في تحويل ضفاف الشريان إلى منظومة متكاملة موانئ ذكية ومجمعات لوجستية، وخدمات تزويد وصيانة متطورة، وتحول رقمي يعيد صياغة أزمنة الانتظار. فالعالم اليوم لا يقف طويلاً عند محطات مجردة بل يبحث عن قيمة مضافة تجعل من التوقف عندها استثماراً لا مجرد كلفة عبور. إن عودة الدفء إلى مسارات السويس ليست انتصارا نكتفي بالاحتفاء به ثم نطوي صفحته في أرشيف الأخبار بل هي نداء دائم للمستقبل تذكير صريح بأن الجغرافيا ساحة متقلبة لا تثبت على حال وأن الخطوط البحرية التي تعيد رسم نفسها كلما هبت رياح السياسة تفرض علينا ألا نغفل لحظة واحدة عن تعظيم أدواتنا وتوطين قدراتنا الذاتية قناة السويس ستبقى بماضيها وحاضرها وثيقة شرف كُتبت بعرق الأجداد ودماء الشهداء لكن استحقاق هذا الشرف يتجدد كل صباح مع أول سفينة تدشن دورتها في مياهنا الإقليمية. الموقع هبة القدر للأرض.. أما جدارة البقاء وسيادة القرار فهما صنيعة الإنسان ومقياس ما يقدمه من عرق وعلم وإرادة.

شحاته زكريا مقالات شحاتة زكريا نبض الشريان.. حين تنطق الجغرافيا بلغة المسؤولية الجارديان المصريه