الأربعاء 30 سبتمبر 2026 09:04 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

مدحت الشيخ يكتب: التنمية تبدأ من المواطن.. وتنتهي عند حياته

الكاتب الكبير مدحت الشيخ
الكاتب الكبير مدحت الشيخ

في كل مرة تُعلن فيها أرقام جديدة عن النمو، أو يُفتتح مشروع كبير، أو تمتد شبكة طرق جديدة، يعود السؤال الأهم الذي يجب ألا يغيب وسط زحام الأرقام وصخب الإنجازات: ماذا تغيّر في حياة المواطن؟
هذا السؤال ليس انتقاصًا من حجم ما يتم إنجازه، ولا تجاهلًا لقيمة المشروعات، وإنما هو الاختبار الأكثر صدقًا لأي تجربة تنموية. فالتنمية في جوهرها ليست معرضًا للمشروعات، ولا سباقًا في المؤشرات، وإنما عملية هدفها النهائي أن تجعل حياة الإنسان أفضل، وأكثر استقرارًا، وأكثر قدرة على مواجهة المستقبل.
وحين نتحدث عن التنمية، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن غالبًا هو حجم المشروعات، ومعدلات النمو، وحجم الاستثمارات، وشبكات الطرق والكباري، والمصانع والمناطق العمرانية الجديدة. وكل ذلك يمثل جزءًا مهمًا من الصورة، لكنه ليس الصورة كلها.
لأن التنمية في النهاية ليست مباني ولا أرقامًا، وإنما إنسان.
وهنا يجب أن نطرح السؤال الذي قد يبدو بسيطًا، لكنه في الحقيقة من أصعب الأسئلة وأكثرها أهمية: ماذا تغير في حياة المواطن؟
هذا هو الاختبار الحقيقي لأي تجربة تنموية، وهو المقياس الذي يصعب الالتفاف حوله. فالمواطن لا يعيش داخل بيانات وتقارير، ولا يقيس التنمية بعدد المشروعات التي تم افتتاحها، وإنما يلمسها في تفاصيل حياته اليومية؛ في دخله، وعمله، وتعليمه، وعلاجه، وسكنه، ومواصلاته، وأسعار احتياجاته، وقدرته على تأمين مستقبل أبنائه.
قد تكون هناك دولة تنفذ مشروعات ضخمة وتحقق معدلات نمو مرتفعة، لكن القيمة الأعمق لهذه الإنجازات تظل مرتبطة بقدرتها على الانتقال من صفحات التقارير إلى حياة الناس.
فالطريق ليس إنجازًا في حد ذاته إذا لم يختصر وقت المواطن ويزيد كفاءة حركة الاقتصاد. والمستشفى لا تكتمل قيمته بجدرانه وأجهزته، وإنما بما يقدمه من رعاية حقيقية للمريض. والمدرسة ليست مجرد مبنى، بل مكان يُصنع فيه مستقبل أجيال كاملة. والمصنع لا تكتمل أهميته بالاستثمار الذي ضُخ فيه، وإنما بما يخلقه من إنتاج وفرص عمل ودخل واستقرار.
حتى الإصلاحات الاقتصادية، مهما كانت ضرورتها، لا يمكن فصلها عن أثرها الاجتماعي. فالاقتصاد في النهاية وسيلة، وليس غاية مستقلة عن الإنسان.
وهنا تكمن صعوبة التنمية الحقيقية؛ لأنها لا تتعامل مع مؤشرات منفصلة، وإنما مع حياة متكاملة.
المواطن يريد أن يعمل، لكنه يريد أيضًا أن يكون أجره قادرًا على تلبية احتياجات أسرته. يريد تعليمًا لأبنائه، لكنه يريد تعليمًا يمنحهم فرصة حقيقية في المستقبل. يريد مستشفى، لكنه يريد أن يجد فيها خدمة تحترم إنسانيته وتلبي احتياجاته. يريد طرقًا ومواصلات، لكنه يريد أن يصل إلى عمله وبيته بأمان وفي وقت معقول.
هذه التفاصيل الصغيرة في ظاهرها هي التي تصنع الصورة الكبيرة لحياة الإنسان.
ولذلك فإن التنمية لا ينبغي أن تتحول إلى سباق في عدد المشروعات، وإنما إلى عملية مستمرة لرفع جودة الحياة وتحسين كفاءة الخدمات وتوسيع فرص العمل وزيادة قدرة المواطن على مواجهة أعباء الحياة.
والأهم من ذلك أن التنمية الحقيقية يجب أن تكون مستدامة. فليس المطلوب فقط أن يتحسن واقع المواطن اليوم، وإنما أن يمتلك أبناؤه فرصًا أفضل غدًا. والاستدامة هنا لا تعني استمرار المشروعات فقط، وإنما استمرار قدرتها على الإنتاج وتوفير فرص العمل وتحسين الخدمات وخلق قيمة حقيقية للمجتمع.
كما أن العدالة في توزيع ثمار التنمية لا تقل أهمية عن حجم التنمية نفسها. فالمجتمع لا يشعر بقيمة أي تقدم إذا بقيت ثماره بعيدة عن قطاعات واسعة من المواطنين. وكلما اتسعت دائرة المستفيدين، أصبح أثر التنمية أكثر رسوخًا وقدرة على الاستمرار.
ولهذا فإن الدولة التي تريد بناء تنمية حقيقية تحتاج دائمًا إلى الاستماع إلى المواطن، ليس باعتباره متلقيًا للخدمة فقط، وإنما باعتباره شريكًا في تقييمها. فالمؤشرات الرسمية ضرورية، لكن صوت الشارع أيضًا مؤشر مهم، لأن المواطن هو من يختبر السياسات عندما تتحول من قرارات على الورق إلى واقع يومي.
وأعظم نجاح لأي مشروع تنموي هو أن يصبح أثره ملموسًا في حياة الناس إلى الدرجة التي لا يعود المواطن بحاجة إلى البحث عنه في الأرقام؛ يراه في مدرسة أفضل، وعلاج أكثر كفاءة، وفرصة عمل حقيقية، ودخل أكثر قدرة على تلبية احتياجات أسرته، وبيئة أكثر تنظيمًا، وخدمات أكثر احترامًا لوقته وكرامته.
التنمية إذن ليست أن نبني أكثر فقط، وإنما أن نجعل ما نبنيه أكثر تأثيرًا في حياة الإنسان.
ولذلك يجب أن يظل السؤال حاضرًا أمام كل مسؤول وصانع قرار ومخطط: هل يشعر المواطن بأن ما يتم إنجازه يغير حياته إلى الأفضل؟
فإذا كانت الإجابة نعم، فهناك تنمية وصلت إلى غايتها.
أما إذا بقيت الإنجازات محصورة في الأرقام والمشروعات بينما لا يجد المواطن أثرها في تفاصيل حياته، فهناك حاجة دائمة إلى مراجعة الأولويات وطريقة قياس النجاح.
في النهاية، لا توجد تنمية بلا إنسان، ولا يمكن لمشروع تنموي أن يكتمل بينما يظل المواطن بعيدًا عن ثماره.
فالمشروعات تُبنى بالحجر، والاقتصادات تُبنى بالأرقام، لكن الأوطان تُبنى بالإنسان.
ومن هنا فإن حياة المواطن ليست مجرد نتيجة جانبية للتنمية، بل هي المقياس الحقيقي لها، والغاية التي يجب أن تعود إليها كل الخطط والسياسات والقرارات.
فحين يصبح المواطن محور التنمية، تتحول الأرقام إلى حياة، والمشروعات إلى فرص، والخطط إلى مستقبل، ويصبح معنى التنمية أكبر من مجرد نمو اقتصادي؛ يصبح بناءً حقيقيًا للإنسان والمجتمع والدولة.

مدحت الشيخ مقالات مدحت الشيخ الجارديان المصرية التنمية تبدأ من المواطن.. وتنتهي عند حياته
⇧