الخميس 29 أكتوبر 2026 03:52 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

وصفى هنرى يكتب من فيينا: جانيش... تحفة هندية عمرها ثلاثة قرون وذكرى من رحلاتي

الكاتب الكبير وصفى هنرى
الكاتب الكبير وصفى هنرى

في عام 1986، اشتريت من أحد محلات الأنتيكات المعروفة في مدينة أجرا الهندية، حيث يقف تاج محل شاهدًا على عظمة الفن والعمارة ، تمثالًا للإله جانيش ، أحد أشهر الآلهة في الديانة الهندوسية. كنت قد زرت الهند عشر مرات بين عامي 1981 و1993، وكانت تلك الرحلات فرصة للتعرف عن قرب على حضارة غنية بالتاريخ والفن والتقاليد. ومن بين كل ما حملته معي من تلك البلاد، ظلت هذه التحفة واحدة من أقرب الأشياء إلى نفسي.
   يزيد عمر التمثال بحسب المعلومات المتوافرة لديّ، على ثلاثة قرون، وهو منحوت من قطعة واحدة من خشب الساج المتين (Teak Wood). وحين تتأمله، يصعب ألا تُعجب بمهارة الفنان الذي استطاع أن يحوّل كتلة واحدة من الخشب إلى عمل فني بهذه الدقة والثراء.
   يظهر جانيش برأس الفيل المميز وخرطومه الطويل وأذنيه الكبيرتين، وفوق رأسه تاج مرتفع تزينه طبقات من النقوش الدقيقة ، وتحيط بجسده أذرع متعددة ، تتزين بالأساور والحليات ، بينما يغطي الصدر والخصر والجزء السفلي من الجسد نسيج غني من الزخارف التي تحاكي الملابس والحلي التقليدية ، أما القدمان فتستقران فوق منصة زرقاء تعلو قاعدة عريضة تتكرر حولها أشكال تشبه زهرة اللوتس .
  واللافت أن جمال التمثال لا يقتصر على واجهته الأمامية، بل يمتد إلى تفاصيله الخلفية أيضًا، بما يكشف عن عناية الفنان بكل جانب من جوانب العمل. وإلى جوار جانيش تجلس شخصية أنثوية أصغر حجمًا، ترتدي تاجًا وزينة تقليدية، وتضيف إلى التكوين مزيدًا من الغموض والجمال،    انها الالهه ريدهي (Riddhi) والتى ترمز إلى الازدهار والثروة والنماء.
     جانيش ليس مجرد موضوع فني فهو في المعتقد الهندوسي إله الحكمة والمعرفة وإزالة العقبات ، ولذلك يستهل كثير من المؤمنين به أعمالهم ومشروعاتهم بطلب بركاته .
   وتروي إحدى أشهر الأساطير الهندوسية أن بارفاتي، زوجة الإله شيفا، صنعت جانيش وطلبت منه حراسة مدخل مكان استحمامها ، وعندما عاد شيفا ، نشأ صراع بينه وبين الفتى الذي لم يعرفه ، وانتهى بقطع رأسه. وحين اكتشف شيفا حقيقة الأمر، سعى إلى إعادته إلى الحياة ، فوُضع رأس فيل على جسده ، ليصبح هذا الرأس علامته المميزة التي يعرفه بها العالم حتى اليوم .
    وتنتشر تماثيل جانيش في المعابد والمنازل والمتاجر، باعتباره رمزًا للحكمة والتوفيق والازدهار ، كما يحتفل الهندوس بمهرجان «غانيش تشاتورثي» إحياءً لذكرى ميلاده ، وتُقام خلاله الصلوات والمواكب، وتُزيّن البيوت والشوارع بتماثيله في الهند وبين الجاليات الهندوسية في أنحاء العالم .

وتكمن أهمية جانيش في اجتماع الأسطورة والعبادة والفن في صورة واحدة ، فما يراه الفنان تحفة جمالية قد يراه المؤمن رمزًا مقدسًا يستمد منه الأمل والطمأنينة ، وهذا أحد أوجه الثراء في الحضارات الإنسانية، إذ يستطيع العمل الفني أن يحمل معاني مختلفة ، ويعبر الحدود والأديان والأجيال من دون أن يفقد قدرته على إثارة الدهشة والإعجاب .
   أما بالنسبة إليّ ، فلهذا التمثال حكاية شخصية تتجاوز قيمته الفنية. فقد اشتريته بنفسي في أجرا عام 1986، خلال سنوات كنت أعود فيها إلى الهند مرارًا ، حتى أنني زرتها عشر مرات في اثني عشر عامًا ، ومنذ ذلك الحين، ظل جزءًا من عالمي الخاص، يحمل ذكريات بلد أحببت زيارته، وأصدقاء أسهموا في تغيير مجرى حياتي، وثقافة تستحق التأمل.
   لم يكن اقتناء هذا التمثال مجرد شراء لتحفة قديمة، بل كان احتفاظًا بقطعة من تاريخ حضارة عريقة، وبذكرى شخصية من رحلاتي، وبأثر فنان مجهول استطاع أن يترك بصمته في قطعة من الخشب تعيش بعده قرونًا.
   ثلاثة قرون أو أكثر، وما زال جانيش واقفًا بتاجه المرتفع وخرطومه الطويل وزخارفه الدقيقة، يذكّرني بأن الأشياء الجميلة لا تعيش فقط بسبب المادة التي صُنعت منها، بل أيضًا بسبب القصص التي تحملها، والذكريات التي توقظها، والقدرة الإنسانية التي تقف وراء صنعها.
إيه اللي فاضل عالجنة؟

وصفي هنري
ڤيينا ١٩ بابه ٦٧٦٨
الخميس 29 أكتوبر 2026
الصورة تعود لعام ١٩٨٥ مرتديا زيا هنديا فى احد المعابد الهندوسية للإله شيڤا بمدينة دلهي القديمة

559ceb72b198.jpg
6b3c4d784e38.jpg
f7641cb4454c.jpg
وصفى هنرى جانيش تحفة هندية عمرها ثلاثة قرون وذكرى من رحلاتي الجارديان المصرية
⇧