خالد درة يكتب ﻣﻦ باريس: بالعقل أقول …( كلمة الشرف … حين تصبح الثقة أقوى من الورق ، و الصدق أساس التعامل بين الناس )
هناك أشياء في الحياة لا تحتاج إلى توقيع ، ولا إلى ختم ، و لا إلى شاهد يثبتها ؛ لأنها تستمد قوتها من ضمير الإنسان قبل أي وثيقة .. و من أسمى هذه الأشياء كلمة الشرف ..
فالكلمة ليست مجرد حروف ينطق بها اللسان ، و الوعد ليس مجرد حديث عابر بين شخصين ، بل إنهما انعكاس حقيقي لشخصية الإنسان ، و مقياس لمدى صدقه و احترامه لنفسه و للآخرين ..
إقرار الشرف في فرنسا … عندما تمنح المؤسسات ثقتها للإنسان ..
و في فرنسا ، يوجد مفهوم قانوني و إداري معروف باسم Attestation sur l’honneur، أي الإقرار أو الشهادة على الشرف أو كلمة شرف ..
و هو تصريح يقدمه الشخص مؤكداً فيه صحة معلومة أو واقعة معينة ، و يتحمل مسؤولية ما يقر به ..
و اللافت في هذا المفهوم أن المؤسسات الفرنسية تعتمد في كثير من المعاملات على تصريح الشخص نفسه ، دون أن تطلب منه بالضرورة دليلاً مستقلاً على كل تفصيل منذ البداية ..
و هذا لا يعني أن التصريح لا يمكن مراجعته أو أن مجرد كتابة عبارة « أُقر بشرفي » تجعل الكلام حقيقة لا تقبل النقاش ، بل يعني أن هناك ثقافة مؤسسية تمنح الإنسان مساحة من الثقة ، مقابل تحمله المسؤولية القانونية و الأخلاقية عن تصريحه ..
و هنا تتجلى قيمة مهمة : و هى أن الثقة ليست غياباً للقانون ، و إنما هي جزء من ثقافة التعامل و احترام المسؤولية ..
و عن تجربة شخصية … عندما أصبحت كلمة الشرف و سيلة لحل مشكلة ..
قبل نحو شهر ، عشت تجربة بسيطة في ظاهرها ، لكنها جعلتني أتوقف كثيراً أمام هذا المفهوم ..
قمت بشراء سجادة غالية الثمن من أحد المواقع الإلكترونية في فرنسا ، و حدد الموقع موعداً لتوصيلها إلى منزلي .. لكن الموعد مرّ دون أن يصلني الطرد ..
تواصلت مع البائع و أبلغته بأنني لم أستلم المنتج حتى الآن ، فأفادني بأنه تواصل مع سائق التوصيل ، و أن السائق أكد له أن الطرد تم تسليمه بالفعل !..
و بعد عدة رسائل و محادثات بيننا ، اقترح البائع حلاً لافتاً ، فقال لي ، بمعنى كلامه :
« إذا كنت تؤكد أنك لم تستلم المنتج ، فأرسل لنا إقراراً بالشرف يؤكد عدم استلامك له ، و سنقوم إما برد المبلغ إليك أو بإرسال منتج آخر » ..
و بالفعل ، قمت بتحرير و إرسال شهادة شرفية Attestation sur l’honneur ) أؤكد فيها أنني لم أستلم المنتج ..
و لم يطلب مني البائع الدخول في نزاع طويل ، و لم يطالبني بإثبات أمر لا أملك وسيلة مباشرة لإثباته ، و إنما تعامل مع تصريحي باعتباره أساساً كافياً لمتابعة المشكلة وحلها ..
و بالفعل ، قام بإرسال سجادة أخرى ، وصلتني في الموعد المحدد لاحقاً ..
قد تبدو هذه واقعة تجارية بسيطة ، و ربما لا تستحق الكثير من الاهتمام في نظر البعض ، لكنها بالنسبة لي كانت مثالاً عملياً على معنى الثقة المتبادلة فى هذا المجتمع الجميل الذي يثبت كل يوم أنه مجتمع إسلامي بإمتياز على الرغم أنه متعد الديانات و الثقافات ..
فالبائع منحني مساحة لأؤكد حقيقة ما حدث من خلال إقرار على الشرف ، و أنا بدوري تحملت مسؤولية ما كتبته و وقّعت عليه ..
لم تكن المسألة مجرد استبدال منتج ، بل كانت تجربة أظهرت كيف يمكن للثقة و الصدق أن يسهّلا التعامل بين طرفين لا يعرف أحدهما الآخر معرفة شخصية ..
و بالطبع ، لا يعني ذلك أن كل الشركات الفرنسية تتصرف بالطريقة نفسها ، أو أن كل إقرار شرفي يُقبل دون مراجعة ، و إنما أذكر تجربتي باعتبارها نموذجاً إيجابياً يستحق التأمل ..
و ماذا عن كلمة الشرف في مجتمعاتنا العربية؟..
في مجتمعاتنا العربية ، لدينا تعبير أصيل و عميق : « وعد شرف » أو «كلمة شرف»..
و هو تعبير يحمل في معناه الكثير من المروءة و الكرامة و الوفاء ..
فعندما يقول شخص لآخر : « أعطيك كلمة شرف »، فهو لا يقدم مجرد وعد عادي ، بل يضع سمعته و اعتباره الشخصي في ميزان هذا الالتزام ..
و قديماً ، كانت كلمة الإنسان في كثير من البيئات العربية بمثابة عقد غير مكتوب ، و كان الإخلال بها يُعد انتقاصاً من قدره و مكانته بين الناس ..
لكن المؤلم أن هذه القيمة أصبحت أحياناً مجرد تعبير يُستخدم لكسب الثقة أو تهدئة الآخرين ، دون أن يصاحبه إلتزام حقيقي ..
و هنا تكمن المفارقة : لسنا بحاجة إلى استيراد مفهوم الشرف من أي مجتمع آخر ، لأن ثقافتنا العربية تعرفه جيداً ، لكننا بحاجة إلى إعادة إحيائه في سلوكنا اليومي ..
و الإسلام قد جعل الوفاء بالعهد من صميم الأخلاق و الإيمان ..
و إذا انتقلنا إلى الجانب الديني ، سنجد أن الإسلام لم يتعامل مع الصدق و الوفاء بالوعد باعتبارهما مجرد فضائل اجتماعية ، بل جعلهما من المبادئ الأساسية التي تقوم عليها علاقة الإنسان بربه وبالناس ..
قال الله سبحانه وتعالى :
﴿وَ أَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء : 34]..
و قال سبحانه :
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2-3]..
و قال رسول الله ﷺ :
«آية المنافق ثلاث : إذا حدّث كذب ، و إذا وعد أخلف ، و إذا أؤتمن خان»..
فالمسلم لا ينبغي أن يكون صادقاً في عبادته فقط ، بل يجب أن يظهر صدقه في بيته ، و مع زوجته و أبنائه ، و في عمله ، و مع جيرانه و أصدقائه ، و حتى مع من يختلف معهم ..
فالدين ليس كلمات تُقال ، بل أخلاق تظهر في التعامل ( الدين المعاملة ) ..
فكلمة الشرف أساس العلاقات الإنسانية ..
تخيل معى مجتمعاً يستطيع فيه الناس التعامل مع بعضهم دون خوف دائم من الخداع ؛ مجتمعاً يحترم فيه الإنسان موعده ، و ينفذ و عده ، و لا يتهرب من مسؤولياته ، و لا يستغل ثقة الآخرين ..
و كم من خلافات أسرية كان يمكن تجنبها لو التزم كل طرف بكلمته؟ ..
و كم من صداقات إنتهت بسبب وعد لم يُنفذ؟ ..
و كم من شراكات تجارية و علاقات إنسانية انهارت لأن أحد الأطراف اعتبر أن بإمكانه التراجع عن كلامه متى شاء؟ ..
إن العلاقات الإنسانية لا تقوم على المصالح وحدها ، بل تحتاج إلى الثقة ، و الثقة لا تُبنى بالمال و لا بالمظاهر ، و إنما تُبنى بالمواقف المتكررة و الصدق و الوفاء ..
و الأهم أن كلمة الشرف لا تعني أن الإنسان لا يخطئ أبداً ، أو أنه لا يمكن أن تتغير ظروفه ؛ فقد يعجز عن تنفيذ وعده لأسباب خارجة عن إرادته .. لكن صاحب الأخلاق لا يختفي و لا يراوغ و لا يكذب ، بل يصارح الطرف الآخر و يعتذر و يتحمل مسؤولية موقفه ..
كن صاحب كلمة قبل أن تكون صاحب مال أو منصب ..
و في النهاية ، تبقى كلمة الشرف واحدة من أجمل القيم التي يمكن أن يتحلى بها الإنسان ..
فقد يخسر الإنسان ماله أو منصبه أو مكانته الاجتماعية ، لكن خسارة ثقة الآخرين أصعب بكثير من كل ذلك ..
إن الإنسان الذي يحترم كلمته لا يحتاج إلى أن يكرر للناس أنه صادق ؛ فمواقفه تتحدث عنه ..
و الإنسان الذي يفي بوعوده لا يحتاج إلى أن يطلب الثقة ؛ فقد إكتسبها بالفعل ..
سواء قلنا في فرنسا Attestation sur l’honneur، أو قلنا في مجتمعاتنا العربية « كلمة شرف » ، أو استحضرنا في الإسلام قوله تعالى « و أوفوا بالعهد »، فإن المعنى الإنساني و الأخلاقي يظل واحداً ..
و أن تكون كلمتك مرآة لشخصيتك ، و أن يكون وعدك مسؤولية في ذمتك ، و أن يكون إحترامك للآخرين نابعاً من إحترامك لنفسك ..
فلا تعطِ وعداً لا تستطيع الوفاء به ، و لا تستخدم كلمة الشرف لتكسب ثقة إنسان ثم تخذله ..
فالمجتمع الذي يحترم فيه الإنسان كلمته ، لا يحتاج إلى أن يثبت كل شيء بالورق ؛ لأن الضمير الحي يصبح أول وثيقة ، و الصدق يصبح أقوى ضمان ، و الوفاء يصبح أرقى أشكال الاحترام .












محاكمة 58 متهما بخلية التجمع الأول الإرهابية.. الاثنين
مصرع عنصرين خطيرين في تبادل لإطلاق النار مع الشرطة وضبط مخدرات وأسلحة...
بلاغ للنائب العام ضد شاكر محظور دلوقتي بسبب هدايا تيك توك بالملايين
إصابة 5 أشخاص في حادث تصادم أعلى الطريق الدائري
أسعار الذهب اليوم الأحد 25 أكتوبر 2026.. عيار 21 بـ6280 جنيها
ثبات سعر الدولار مقابل الجنيه فى البنوك اليوم الخميس
سعر الدولار في البنوك والسوق السوداء اليوم الجمعة 2 - 10 -...
البورصة تختتم أولى جلسات أكتوبر بمكاسب جماعية.. ورأس المال يربح 128.9 مليار...