الإثنين 2 نوفمبر 2026 04:08 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

خالد درة يكتب ﻣﻦ باريس: بالعقل أقول …( كلمة الشرف … حين تصبح الثقة أقوى من الورق ، و الصدق أساس التعامل بين الناس )

الكاتب الكبير خالد درة
الكاتب الكبير خالد درة

هناك أشياء في الحياة لا تحتاج إلى توقيع ، ولا إلى ختم ، و لا إلى شاهد يثبتها ؛ لأنها تستمد قوتها من ضمير الإنسان قبل أي وثيقة .. و من أسمى هذه الأشياء كلمة الشرف ..

فالكلمة ليست مجرد حروف ينطق بها اللسان ، و الوعد ليس مجرد حديث عابر بين شخصين ، بل إنهما انعكاس حقيقي لشخصية الإنسان ، و مقياس لمدى صدقه و احترامه لنفسه و للآخرين ..

إقرار الشرف في فرنسا … عندما تمنح المؤسسات ثقتها للإنسان ..

و في فرنسا ، يوجد مفهوم قانوني و إداري معروف باسم Attestation sur l’honneur، أي الإقرار أو الشهادة على الشرف أو كلمة شرف ..

و هو تصريح يقدمه الشخص مؤكداً فيه صحة معلومة أو واقعة معينة ، و يتحمل مسؤولية ما يقر به ..

و اللافت في هذا المفهوم أن المؤسسات الفرنسية تعتمد في كثير من المعاملات على تصريح الشخص نفسه ، دون أن تطلب منه بالضرورة دليلاً مستقلاً على كل تفصيل منذ البداية ..

و هذا لا يعني أن التصريح لا يمكن مراجعته أو أن مجرد كتابة عبارة « أُقر بشرفي » تجعل الكلام حقيقة لا تقبل النقاش ، بل يعني أن هناك ثقافة مؤسسية تمنح الإنسان مساحة من الثقة ، مقابل تحمله المسؤولية القانونية و الأخلاقية عن تصريحه ..

و هنا تتجلى قيمة مهمة : و هى أن الثقة ليست غياباً للقانون ، و إنما هي جزء من ثقافة التعامل و احترام المسؤولية ..

و عن تجربة شخصية … عندما أصبحت كلمة الشرف و سيلة لحل مشكلة ..

قبل نحو شهر ، عشت تجربة بسيطة في ظاهرها ، لكنها جعلتني أتوقف كثيراً أمام هذا المفهوم ..

قمت بشراء سجادة غالية الثمن من أحد المواقع الإلكترونية في فرنسا ، و حدد الموقع موعداً لتوصيلها إلى منزلي .. لكن الموعد مرّ دون أن يصلني الطرد ..

تواصلت مع البائع و أبلغته بأنني لم أستلم المنتج حتى الآن ، فأفادني بأنه تواصل مع سائق التوصيل ، و أن السائق أكد له أن الطرد تم تسليمه بالفعل !..

و بعد عدة رسائل و محادثات بيننا ، اقترح البائع حلاً لافتاً ، فقال لي ، بمعنى كلامه :

« إذا كنت تؤكد أنك لم تستلم المنتج ، فأرسل لنا إقراراً بالشرف يؤكد عدم استلامك له ، و سنقوم إما برد المبلغ إليك أو بإرسال منتج آخر » ..

و بالفعل ، قمت بتحرير و إرسال شهادة شرفية Attestation sur l’honneur ) أؤكد فيها أنني لم أستلم المنتج ..
و لم يطلب مني البائع الدخول في نزاع طويل ، و لم يطالبني بإثبات أمر لا أملك وسيلة مباشرة لإثباته ، و إنما تعامل مع تصريحي باعتباره أساساً كافياً لمتابعة المشكلة وحلها ..
و بالفعل ، قام بإرسال سجادة أخرى ، وصلتني في الموعد المحدد لاحقاً ..

قد تبدو هذه واقعة تجارية بسيطة ، و ربما لا تستحق الكثير من الاهتمام في نظر البعض ، لكنها بالنسبة لي كانت مثالاً عملياً على معنى الثقة المتبادلة فى هذا المجتمع الجميل الذي يثبت كل يوم أنه مجتمع إسلامي بإمتياز على الرغم أنه متعد الديانات و الثقافات ..

فالبائع منحني مساحة لأؤكد حقيقة ما حدث من خلال إقرار على الشرف ، و أنا بدوري تحملت مسؤولية ما كتبته و وقّعت عليه ..

لم تكن المسألة مجرد استبدال منتج ، بل كانت تجربة أظهرت كيف يمكن للثقة و الصدق أن يسهّلا التعامل بين طرفين لا يعرف أحدهما الآخر معرفة شخصية ..

و بالطبع ، لا يعني ذلك أن كل الشركات الفرنسية تتصرف بالطريقة نفسها ، أو أن كل إقرار شرفي يُقبل دون مراجعة ، و إنما أذكر تجربتي باعتبارها نموذجاً إيجابياً يستحق التأمل ..

و ماذا عن كلمة الشرف في مجتمعاتنا العربية؟..

في مجتمعاتنا العربية ، لدينا تعبير أصيل و عميق : « وعد شرف » أو «كلمة شرف»..

و هو تعبير يحمل في معناه الكثير من المروءة و الكرامة و الوفاء ..

فعندما يقول شخص لآخر : « أعطيك كلمة شرف »، فهو لا يقدم مجرد وعد عادي ، بل يضع سمعته و اعتباره الشخصي في ميزان هذا الالتزام ..

و قديماً ، كانت كلمة الإنسان في كثير من البيئات العربية بمثابة عقد غير مكتوب ، و كان الإخلال بها يُعد انتقاصاً من قدره و مكانته بين الناس ..

لكن المؤلم أن هذه القيمة أصبحت أحياناً مجرد تعبير يُستخدم لكسب الثقة أو تهدئة الآخرين ، دون أن يصاحبه إلتزام حقيقي ..

و هنا تكمن المفارقة : لسنا بحاجة إلى استيراد مفهوم الشرف من أي مجتمع آخر ، لأن ثقافتنا العربية تعرفه جيداً ، لكننا بحاجة إلى إعادة إحيائه في سلوكنا اليومي ..

و الإسلام قد جعل الوفاء بالعهد من صميم الأخلاق و الإيمان ..

و إذا انتقلنا إلى الجانب الديني ، سنجد أن الإسلام لم يتعامل مع الصدق و الوفاء بالوعد باعتبارهما مجرد فضائل اجتماعية ، بل جعلهما من المبادئ الأساسية التي تقوم عليها علاقة الإنسان بربه وبالناس ..

قال الله سبحانه وتعالى :

﴿وَ أَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء : 34]..

و قال سبحانه :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ۝ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2-3]..

و قال رسول الله ﷺ :

«آية المنافق ثلاث : إذا حدّث كذب ، و إذا وعد أخلف ، و إذا أؤتمن خان»..

فالمسلم لا ينبغي أن يكون صادقاً في عبادته فقط ، بل يجب أن يظهر صدقه في بيته ، و مع زوجته و أبنائه ، و في عمله ، و مع جيرانه و أصدقائه ، و حتى مع من يختلف معهم ..

فالدين ليس كلمات تُقال ، بل أخلاق تظهر في التعامل ( الدين المعاملة ) ..

فكلمة الشرف أساس العلاقات الإنسانية ..

تخيل معى مجتمعاً يستطيع فيه الناس التعامل مع بعضهم دون خوف دائم من الخداع ؛ مجتمعاً يحترم فيه الإنسان موعده ، و ينفذ و عده ، و لا يتهرب من مسؤولياته ، و لا يستغل ثقة الآخرين ..

و كم من خلافات أسرية كان يمكن تجنبها لو التزم كل طرف بكلمته؟ ..

و كم من صداقات إنتهت بسبب وعد لم يُنفذ؟ ..

و كم من شراكات تجارية و علاقات إنسانية انهارت لأن أحد الأطراف اعتبر أن بإمكانه التراجع عن كلامه متى شاء؟ ..

إن العلاقات الإنسانية لا تقوم على المصالح وحدها ، بل تحتاج إلى الثقة ، و الثقة لا تُبنى بالمال و لا بالمظاهر ، و إنما تُبنى بالمواقف المتكررة و الصدق و الوفاء ..

و الأهم أن كلمة الشرف لا تعني أن الإنسان لا يخطئ أبداً ، أو أنه لا يمكن أن تتغير ظروفه ؛ فقد يعجز عن تنفيذ وعده لأسباب خارجة عن إرادته .. لكن صاحب الأخلاق لا يختفي و لا يراوغ و لا يكذب ، بل يصارح الطرف الآخر و يعتذر و يتحمل مسؤولية موقفه ..

كن صاحب كلمة قبل أن تكون صاحب مال أو منصب ..

و في النهاية ، تبقى كلمة الشرف واحدة من أجمل القيم التي يمكن أن يتحلى بها الإنسان ..

فقد يخسر الإنسان ماله أو منصبه أو مكانته الاجتماعية ، لكن خسارة ثقة الآخرين أصعب بكثير من كل ذلك ..

إن الإنسان الذي يحترم كلمته لا يحتاج إلى أن يكرر للناس أنه صادق ؛ فمواقفه تتحدث عنه ..

و الإنسان الذي يفي بوعوده لا يحتاج إلى أن يطلب الثقة ؛ فقد إكتسبها بالفعل ..

سواء قلنا في فرنسا Attestation sur l’honneur، أو قلنا في مجتمعاتنا العربية « كلمة شرف » ، أو استحضرنا في الإسلام قوله تعالى « و أوفوا بالعهد »، فإن المعنى الإنساني و الأخلاقي يظل واحداً ..

و أن تكون كلمتك مرآة لشخصيتك ، و أن يكون وعدك مسؤولية في ذمتك ، و أن يكون إحترامك للآخرين نابعاً من إحترامك لنفسك ..

فلا تعطِ وعداً لا تستطيع الوفاء به ، و لا تستخدم كلمة الشرف لتكسب ثقة إنسان ثم تخذله ..

فالمجتمع الذي يحترم فيه الإنسان كلمته ، لا يحتاج إلى أن يثبت كل شيء بالورق ؛ لأن الضمير الحي يصبح أول وثيقة ، و الصدق يصبح أقوى ضمان ، و الوفاء يصبح أرقى أشكال الاحترام .

خالد درة باريس بالعقل أقول …( كلمة الشرف … حين تصبح الثقة أقوى من الورق و الصدق أساس التعامل بين الناس ) الجارديان المصرية
⇧