الأربعاء 4 نوفمبر 2026 09:30 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

طاهر إدريس يكتب : خط أحمر اسمه مصر.. عندما قال السيسي لا للعالم كله

الكاتب الكبير طاهر إدريس
الكاتب الكبير طاهر إدريس

لم تكن مصر يومًا دولة على هامش التاريخ، ولم تكن يومًا بعيدة عن قلب الأحداث. فموقعها الجغرافي وحده يجعلها في مقدمة كل أزمة، وفي قلب كل معادلة. لكن ما يميز المرحلة الحالية، في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، ليس حجم التحديات فقط، بل طريقة مواجهتها: بهدوء محسوب، وبصبر استراتيجي، وبقرار وطني مستقل لا يخضع للابتزاز ولا ينجر إلى المغامرة.

إن الدولة المصرية اليوم لا تواجه تحديًا واحدًا، بل تواجه حزمة متشابكة من التحديات الإقليمية والدولية في وقت واحد، ومع ذلك ظلت واقفة، متماسكة، تحمي حدودها، وتحافظ على قرارها، وتدافع عن أمنها القومي بكل الوسائل المشروعة.
 حدود مشتعلة من كل الاتجاهات من الشرق، غزة والحرب الإسرائيلية وما تحمله من محاولات لتصفية القضية الفلسطينية وتهجير الفلسطينيين إلى سيناء. وكان الموقف المصري حاسمًا وواضحًا منذ اللحظة الأولى حيث لا للتهجير، لا لتصفية القضية الفلسطينية ، لا للمساس بالسيادة المصرية على سيناء. 
موقف لم يتغير رغم كل الضغوط الاقتصادية والسياسية، وأثبت أن مصر لا تبيع مواقفها ولا تساوم على أرضها.

ومن الغرب، ليبيا المنقسمة والميليشيات المسلحة وخطر الإرهاب العابر للحدود. وكانت مصر هي صمام الأمان الذي منع انزلاق ليبيا إلى فوضى كاملة، ووضعت خطًا أحمر حاسمًا في سرت والجفرة، حمى الأمن القومي المصري والليبي معًا.
ومن الجنوب، أزمة سد النهضة والمياه، وهي قضية وجود لا تقبل المساومة. خاضت مصر معركة دبلوماسية طويلة ومعقدة، دفاعًا عن حقها التاريخي في مياه النيل، دون أن تنجر إلى حرب لا يريدها أحد، ودون أن تفرط في قطرة واحدة من حقها.
ومن الشمال، شرق المتوسط والغاز والحدود البحرية، حيث نجحت مصر في ترسيم حدودها، وبناء تحالفات متوازنة، وتحويل نفسها إلى مركز إقليمي للطاقة.

وعندما تولى الرئيس السيسي المسؤولية، كانت سيناء تعج بالتنظيمات الإرهابية، وكانت مصر تواجه موجة إرهاب غير مسبوقة. وبدلًا من الاكتفاء بالشعارات، خاضت الدولة المصرية معركة شاملة عسكرية وأمنية وتنموية وفكرية في آن واحد.
كانت النتيجة أن مصر استطاعت أن تطهر سيناء من الإرهاب، وأن تحمي مدنها وقراها، وأن تعيد الأمن إلى الشارع المصري، في وقت كانت فيه دول أخرى تنهار بالكامل أمام نفس التنظيمات. هذه ليست مجرد معركة أمنية، بل هي معركة حماية للدولة نفسها من السقوط.

ثم جاءت جائحة كورونا، و الحرب الروسية الأوكرانية، ثم الحرب في غزة وتأثيرها على قناة السويس، ثم ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة في العالم كله. كل هذه الأزمات كانت كفيلة بأن تسقط اقتصادات كبرى.
ومع ذلك، استمرت مصر في بناء بنيتها التحتية، وفي مشروعاتها القومية الكبرى، وفي حماية الفئات الأكثر احتياجًا ببرامج مثل "تكافل وكرامة" و" حياة كريمة"، أكبر مشروع تنموي في تاريخ مصر الحديث، الذي نقل ملايين المصريين في الريف من الإهمال إلى الحياة الكريمة.
نعم هناك ضغوط اقتصادية يشعر بها المواطن، ولا ينكرها أحد، لكن الإنصاف يقتضي أن ننظر إلى الصورة كاملة. دولة تحافظ على استقرارها في محيط ينهار، وتبني في وقت تتوقف فيه دول أخرى عن البناء.
سياسة مصر الخارجية متوازنة.. لا تبعية ولا عداء استعادت مصر في عهد الرئيس السيسي دورها الإقليمي دون أن تكون تابعة لأحد. علاقات متوازنة مع أمريكا وروسيا والصين وأوروبا، وعلاقات قوية مع الدول العربية والأفريقية. مصر لا تدخل في محور ضد محور، ولا تقبل أن تكون ساحة لصراع الآخرين.

هذه السياسة المتوازنة هي التي جعلت صوت مصر مسموعًا في كل العواصم، وجعلتها وسيطًا موثوقًا فيه في أخطر القضايا، من غزة إلى ليبيا إلى السودان.

فلم تكن المواجهة خارجية فقط. فقد كانت الدولة المصرية في حاجة إلى إعادة بناء حقيقية حيث أقامت عاصمة إدارية جديدة، ومدنا جديدة، وشبكة طرق ومحاور غير مسبوقة، ومشروعات زراعية وصناعية، وتطوير للجيش المصري ليظل الأقوى والأكثر جاهزية في المنطقة، وقادرًا على حماية كل شبر من أرض مصر.
إن من ينظر إلى مصر قبل سابق ومصر اليوم، يدرك حجم ما تحقق، حتى لو كان الطريق لا يزال طويلًا.

مصر في عهد الرئيس السيسي لا تعيش في جزيرة بعيدة عن العالم، بل تعيش في قلب عاصفة إقليمية ودولية. ومع ذلك، اختارت أن تواجه بالعقل لا بالانفعال، وبالقوة الهادئة لا بالتهور، وبالصبر الاستراتيجي لا بالاستسلام.
قد تختلف الآراء حول التفاصيل، وهذا طبيعي في أي دولة، لكن الإنصاف يفرض أن نقول إن الدولة المصرية صمدت حيث سقطت دول، وحافظت على وحدتها حيث تفتتت دول، وبقيت رقمًا صعبًا في معادلة لا ترحم الضعفاء.
إنها مصر.. التي لا تنكسر، لأنها تعرف دائمًا أن أمنها القومي خط أحمر، وأن قرارها الوطني لا يباع ولا يشترى.

طاهر إدريس مقالات طاهر إدريس خط أحمر اسمه مصر.. عندما قال السيسي لا للعالم كله الجارديان المصرية
⇧