الخميس 5 نوفمبر 2026 06:48 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الكاتب الصحفي الحسيني عبد الله يكتب : (حكايات مصيرية).. قصة ”الخميس الأول”

الكاتب الكبير الحسيني عبدالله
الكاتب الكبير الحسيني عبدالله

​ليس هناك جرحٌ أعمق غوراً من ذلك الذي يُحفر في ذاكرة الطفولة بكلمة عابرة، أو نظرة استعلاء، أو ضربة خفية خلف شاشات الهواتف. التنمر ليس مجرد "شجار عابر" بين صغار يتصالحون بعده بدقائق كما كان يظن الآباء قديماً، بل هو إرهاب نفسي ممنهج يترك ندوباً لا تُمحى، ويغتال البراءة واليقين في نفوسٍ غضة لم تجد بعد من يحميها من قسوة العالم.
​ولأن العالم أدرك متأخراً أن صمتنا عن التنمر شراكة فيه، جاء اليوم الدولي لمكافحة العنف والبلطجة في المدارس، بما في ذلك التنمر السيبراني، ليكون صرخة جماعية في وجه هذه الظاهرة.
​شعار هذا العام: "سلامة ورفاه كل متعلم: من الوعود إلى الممارسة"
​تأتي فعاليات هذا العام لتسلط الضوء على ضرورة تحويل التعهدات النظرية إلى خطوات ميدانية ملموسة تحت شعار: "سلامة ورفاه كل متعلم: من الوعود إلى الممارسة" (Every learner safe and well: from promise to practice).
​يركز هذا الشعار على أن حماية الطلاب من العنف النفسي والبدني والسيبراني ليست مجرد أمنيات أو خطابات تُلقى في المناسبات، بل هي التزام حقيقي يفرض على المدارس والحكومات والمجتمعات وضع آليات تنفيذية لحماية سلامة الأطفال النفسية والجسدية داخل الصفوف وعلى الشاشات الرقمية.
​قصة "الخميس الأول من نوفمبر": كيف وُلِد اليوم العالمي؟
​وراء كل يوم عالمي حكاية نضال ووجع، وقصة تخصيص الخميس الأول من نوفمبر من كل عام تحمل في طياتها بعداً إنسانياً وتاريخياً يعكس رغبة المجتمع الدولي في حماية الأجيال القادمة.
​في البداية، لم يكن هذا اليوم وليد قرار بيروقراطي في أروقة الأمم المتحدة، بل جاء ثمرة ضغوط حثيثة وتحالف عالمي قادته منظمات المجتمع المدني، وجمعيات أولياء الأمور، ومؤسسات الصحة النفسية والتعليمية حول العالم، بدعم قوي من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو).
​ولماذا "الخميس تحديداً"؟
​اختير يوم الخميس ليكون ذروة الأسبوع الدراسي الذي تبلغ فيه مشكلات التنمر المدرسي والضغط الاجتماعي ذروتها قبل عطلة نهاية الأسبوع، وهو اليوم الذي تعقد فيه غالباً مجالس المدارس وصفوف التوعية حصصاً نقاشية مفتوحة. أما شهر نوفمبر، فجاء ليصادف فترات تقييم منتصف الفصل الدراسي حيث تتضاعف الضغوط النفسية على الطلاب.
​وفي عام 2020، تُوِّجت هذه الجهود باعتماد رسمي من الدول الأعضاء في اليونسكو لإعلان "اليوم الدولي لمكافحة العنف والبلطجة في المدارس، بما في ذلك التنمر السيبراني" ليُحتفل به في الخميس الأول من نوفمبر من كل عام. كان الهدف واضحاً: توحيد الجهود الدولية، ورفع الوعي بحجم الضرر، ودفع الحكومات والمدارس نحو وضع سياسات وقائية صارمة لا تكتفي بالعقاب، بل تبني ثقافة التعاطف والاحترام.
​من باحات المدارس إلى ظلمات "التنمر السيبراني"
​لم يعد التنمر مقصوراً على فناء المدرسة أو زوايا الملعب المظلمة؛ لقد انتقل مع التطور الرقمي المتسارع ليقتحم غرف النوم عبر الشاشات الذكية.
​"التنمر السيبراني" أو التنمر الإلكتروني هو الوجه الأكثر توحشاً لظاهرة العنف الحديثة؛ إذ لا تقتصر الإساءة على أقران المدرسة، بل تلاحق الضحية إلى بيته عبر رسائل التهديد، والتشهير، ونشر الصور المفبركة، والتعليقات المهينة التي تُكتب ببرود خلف لوحة مفاتيح شخص متخفٍ خلف شاشته. هذا النوع من التنمر لا ينتهي بانتهاء الدوام المدرسي، بل يمتد على مدار الأربع وعشرين ساعة، محيلاً حياة الضحية إلى كابوس مستمر وعزلة قاتلة.
​مقترحات عملية لمواجهة التنمر المدرسي والسيبراني
​لكي لا تبقى نصوصنا ومقالاتنا حبيسة التنظير، هناك خطوات عملية حاسمة يجب اتخاذها على مستوى الأسرة والمدرسة والمجتمع:
​على مستوى الأسرة:
​بناء جسور الثقة مع الأبناء ليتمكنوا من البوح بما يتعرضون له دون خوف من اللوم أو العقاب.
​مراقبة الاستخدام الرقمي وتوعية الأطفال بقواعد الأمان السيبراني كي لا ينزلقوا هم أنفسهم ليصبحوا مُعتدين أو ممارسين للإساءة خلف شاشاتهم.
​على مستوى المدرسة:
​تفعيل آليات واضحة وسريعة للإبلاغ عن حالات التنمر بسرية تامة وحماية المُبلغين.
​تنظيم ورش عمل دورية لتعزيز الذكاء العاطفي، والتعاطف، وقبول الآخر بين الطلاب.
​تدريب المعلمين والإداريين على اكتشاف العلامات الخفية للتنمر النفسي والاجتماعي.
​على مستوى المجتمع:
​إطلاق حملات توعوية عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي تناهض ثقافة الاستقواء وتدعم ثقافة الاختلاف كعنصر قوة لا نقطة ضعف.
​نحو فصول بلا خوف
​التنمر معركة خاسرة للجميع؛ فالمتنمر طفل أو شاب يعكس عنفاً داخلياً ومشاكل أسرية أو نفسية تحتاج إلى علاج، والضحية إنسان تُنتهك إنسانيته في مقتبل العمر.
​في هذا اليوم، وتحت راية بناء بيئات آمنة تحول "الوعود إلى ممارسة فعالة"، دعونا نجدد العهد بأن نكون صوتاً لمن لا صوت له، وأن نغرس في نفوس أطفالنا أن القوة الحقيقية ليست في إخافة الآخرين، بل في حمايتهم ودعمهم. لنعمل معاً لكي يصبح "الخميس الأول من نوفمبر" تذكيراً سنوياً بأننا نجحنا في بناء عالم أرحم، فصوله مليئة بالعلم والبهجة، وشاشاته خالية من الكراهية والخوف.

الحسيني عبد الله (حكايات مصيرية) قصة ”الخميس الأول” الجارديان المصرية
⇧