السبت 18 سبتمبر 2021 07:09 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

خالد درة يكتب : بالعقل أقول …( إنه أبى .. و كفى )

الكاتبخالد درة
الكاتبخالد درة

كان أبي إذا دخل غرفتي و وجد المصباح مضاءََ
وأنا خارجها قال لي : لِمَ لا تطفئه ولِمَ كل هذا الإهدار في الكهرباء ؟؟؟

إذا دخل الحمّام ووجد الصنبور يقطر ماءً قال بعلو صوته لِمَ لا تُحكِم غلقه قبل خروجك ولِمَ كل هذا الإهدار في المياه ؟؟؟

كان دائماً ما ينتقدني ويتهمني بالسلبية !!!

يعاتب على الصغيرة والكبيرة !!!

حتى وهو على فراش المرض !!!

إلى أن جاء يوم وجدت فيه وظيفة .

فهو اليوم الذي طالما إنتظرته كثيراً ...

هذا اليوم سأجري المقابلة الشخصية الأولى في حياتي للحصول على وظيفة مرموقة في إحدى الشركات الكبرى .

وأنا أقول فى نفسى .. إن تم قبولي فسأترك هذا البيت إلى غير رجعة وسأرتاح من أبي وتوبيخه الدائم لي .

فى هذا اليوم إستيقظت في الصباح الباكر ولبست أجمل الثياب عندى ، وتعطرت بأجمل العطور ، وهممت بالخروج فإذا بيدٍ تَربُت على كتفي عند الباب و تطبطب علىّْ .

إلتفت فوجدت أبي مبتسماً رغم ذبول عينيه ، وظهور أعراض المرض جلية على وجهه....

وناولني بعض النقود وقال لي : فى هذا اليوم أريدك أن تكون إيجابياً واثقاً من نفسك ولا تهتز أمام أي سؤال .

تقبلت النصيحة على مضض و أبتسمت وأنا أتأفّف من داخلي ، حتى في هذه اللحظات لا يكف أبى عن النصائح وكأنه يتعمد تعكير مزاجي في أسعد لحظات حياتي .

خرجت من البيت مسرعاً و أستأجرت سيارة أجرة وتوجهت إلى الشركة.

وما أن وصلت ودخلت من بوابة الشركة حتى تعجبت كل العجب !!!

فلم يكن هناك حراس أو سعاة عند الباب ولا حتى موظف إستقبال سوى لوحات إرشادية فقط تقودك إلى مكان المقابلة.

وبمجرد أن دخلت من باب الشركة لاحظت أن مقبض الباب قد خرج من مكانه وأصبح عرضة للكسر إن اصطدم به أحد .

فتذكرت نصيحة أبي لي عند خروجي من المنزل بأن أكون إيجابياً ، فقمت على الفور بِرَد مقبض الباب إلى مكانه وأحكمته جيداً .

ثم تتبعت اللوحات الإرشادية ومررت بحديقة الشركة فوجدت الممرات غارقة بالمياه التي كانت تطفو من أحد الأحواض الذي إمتلأ بالماء الى آخره . وقد بدا أن البستاني قد إنشغل عنه . فتذكرت تعنيف أبي لي على إهدار المياه فقمت بسحب خرطوم المياه من الحوض الممتلئ ووضعته في حوض آخر مع تقليل ضخ الصنبور حتى لا يمتلئ بسرعة إلى حين عودة البستاني .

ثم دخلت مبنى الشركة متتبعاً اللوحات الارشادية وخلال صعودي على السلم لاحظت الكم الهائل من مصابيح الإنارة المضاءة ونحن في وضَح النهار فقمت لا إرادياً بإطفائها خوفاً من صراخ أبي الذي كان يرن في أذني أينما ذهبت .

إلى أن وصلت إلى الدور العلوي ففوجئت بالعدد الكبير من المتقدمين لهذه الوظيفة .

قمت بتسجيل إسمي في قائمة المتقدمين وجلست أنتظر دوري وأنا أتمعن في وجوه الحاضرين وملابسهم لدرجة جعلتني أشعر بالدونية من ملابسي وهيئتي أمام ما رأيته فيهم . والبعض يتباهى بشهاداته الحاصل عليها من الجامعات الأمريكية .

ثم لاحظت أن كل من يدخل المقابلة لا يلبث إلّا أن يخرج في أقل من دقيقة .

فقلت في نفسي إن كان هؤلاء بأناقتهم وشهاداتهم قد رُفضوا فهل سأقبل أنا ؟؟!!

فهممت بالإنسحاب والخروج من هذه المنافسة الخاسرة بكرامتي قبل أن يقال لي نعتذر منك .

وبالفعل إنتفضت من مكاني وهممت بالخروج فإذا بالموظف ينادي على إسمي للدخول .

فقلت فى عقلى خلاص سأدخل وأمري إلى الله .

دخلت غرفة المقابلة وجلست على الكرسي في مقابل ثلاثة أشخاص نظروا إليّ و أبتسموا إبتسامة عريضة ثم قال أحدهم متى تحب أن تتسلّم الوظيفة ؟؟؟!!!

فذهلت لوهلة وظننت أنهم يسخرون مني أو أنه أحد أسئلة المقابلة و وراء هذا السؤال ما وراءه .

فتذكرت نصيحة أبي لي عند خروجي من المنزل بألّا أهتز وأن أكون واثقاً من نفسي .

فأجبتهم بكل ثقة : بعد أن أجتاز الإختبار بنجاح إن شاء الله .

فقال آخر لقد نجحت في الإمتحان و أنتهى الأمر .

فقلت ولكن إن أحداً منكم لم يسألني سؤالاً واحداً !!!

فقال الثالث نحن ندرك جيداً أنه من خلال طرح الأسئلة فقط لن نستطيع تقييم مهارات أي من المتقدمين .

ولذا قررنا أن يكون تقييمنا للشخص عملياً ...

فصممنا مجموعة إختبارات عملية تكشف لنا سلوك المتقدم ومدى الإيجابية التي يتمتع بها ومدى حرصه على مقدّرات الشركة ، فكنت أنت الشخص الوحيد الذي سعى لإصلاح كل عيب تعمدنا وضعه في طريق كل متقدم ، وقد تم توثيق ذلك من خلال كاميرات مراقبة وضعت في كل طرقات الشركة .

حينها فقط إختفت كل الوجوه أمام عيني ونسيت الوظيفة والمقابلة وكل شيء ...

ولم أعد أرى إلّا صورة أبي !!!

ذلك الباب الكبير الذي ظاهره القسوة ولكن باطنه الرحمة والمودة والحب والحنان والطمأنينة .

شعرت برغبة جامحة في العودة إلى البيت والانكفاء لتقبيل يديه وقدميه .

رجعت ..لكن عند باب البيت رأيت أقاربي و الجيران مجتمعين ينظرون إليّ نظرات يأس و عطف ، فهمت منها كل شيىء ، فقد وصلت متاخراً ، فقد فات الأوان .

إشتقت إلى سماع صوته و نغمة صراخه تطرب أذني و تهز كيانى .

لماذا لم أرى أبي من قبل ؟؟؟

كيف عَمَيت عيناي عنه ؟؟؟

عن العطاء بلا مقابل ...
عن الحنان بلا حدود ...
عن الإجابة بلا سؤال ...
عن النصيحة بلا إستشارة ...
عن القوة والسند بلا إستغاثة …
فيكفى فقط أن تذكره فى خاطرك ليكون جانبك .
إنه أبى وكفى .