الإثنين 4 مارس 2024 07:33 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

دكتور عادل القليعي يكتب : في فلسفة الرضا.

دكتور عادل القليعي
دكتور عادل القليعي

حقا وصدقا ويقينا وعدلا صدق ربنا ( ولسوف يعطيك ربك فترضى)، فمن الذي يعطي حتى يكفي، الله تعالى، من الذي يعطي عطاءا غير مجذوذ الله تعالى، من الذي إذا كلما مددت إليه يديك لا يردها خائبة الله تعالى، من الذي يعطي ولا ينتظر جزاءا ولا شكورا، الله تعالى (إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءا ولا شكورا)، الله تعالى، من الذي أعطاك الصحة، والقوة، والمال، والجاه، والسلطان، والجمال، إنه العاطي الوهاب، من الذي يمدك بأموال وبنين ويجعل لك قصورا، سبحان ربى العاطي الوهاب، فيا عبد العاطي ويا عبد الوهاب، لا تجزع إذا تأخر عنك العطاء، فالعاطي الوهاب تظنه أنه نساك أو غفل عنك، لا وألف لا لا ولن ينساك أبدا، فالذي يرزق النملة السوداء تحت الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، حقيق عليه أن يرضيك، يرضيك في زوجك تكون صالحة تعينك على طاعة الله، يرضيك في مودتها وحبها لك، يرضيك في رعايتها لك وفي حفظك في غيابك في مالك وولدك وعرضك، يرضيك في وجهها الطلق الصبوح، يرضيك في قولها لك اتق الله فينا ولا تطعمنا إلا من حلال، أليس هذا تاج الرضا وذروة سنامه، من يهيئ لك ذلك الله المعطي العاطى.
يرضيك في علمك فيعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضله عليك عظيما، يعلمك العلوم الدينية والدنيوية من الذي علمك بالقلم الله تعالى أليس هذا رضا منه عليك فبعد أن كنت تجهل علمك، ويعلمكم الكتاب والحكمة.
من الذي وضع لك قبولا في السموات والأرض وجعل مناديا ينادي في أهل السموات والأرض مناديا يا أهل السموات والأرض إن الله تعالى يحب فلان بن فلان فأحبوه أليس هذا رضا منه تعالى، فتوضع لك المحبة والقبول.
يرضيك في أبناءك فيجعلهم طائعين لك رحماء بك يتقون الله فيك وحتى بعد موتك يدعون لك بالرحمات ويصلون ويبرون من كنت تصلهم، ولد صالح يدعو لك، من الذي يرضيك الله الراضي المرضي المرتضى.
يرضيك في عملك فيعينك عليه ويوفقك ويجعلك تصل إلى أعلى الدرجات والمناصب، من يفعل لك ذلك الله سبحانه وتعالى.
ووجوه رضاءه لك أيها الإنسان كثيرة لا تعد ولا تحصى.
ألم يرضيك الله تعالى فبعد أن كنت لا تنجب وتتمنى الواد وطفت العالم كله ولم تترك طبيبا إلا وذهبت إليه، ثم تتدخل العناية الإلهية تحيطك وتشملك وتهبك ما تتمناه أليس هذا رضا.
وهذه رضاءات ثانوية، تختلف عطاياه من فلان إلي آخر.
أما الرضا الأولي، وهو رضاءه لنا أن دلنا عليه وهيئ لنا الأسباب التي تعيننا على معرفته، أعطانا العقل وأعطانا الإرادة ووهبنا الدين الحنيف السمح دين الإسلام، و هبنا الرسل رسلا مبشرين ومنذرين لئلى يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.
كل أمة أرضاها الله تعالى بدينها وبكتابها وبرسولها، الذي بلغ ما أنزل إليه من ربه، لكن من اهتدي فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها، ولحبيبنا محمد صل الله عليه وسلم، دعوة ادخرها للأمة يوم الحشر العظيم، يقول الله ولسوف يعطيك ربك فترضى، يقول وعزتك وجلالك يا ربي لا أرضى وواحد من أمتي في النار، فيقول الله وعزتي وجلالي لنرضينك في أمتك، إني قسمت القيامة بيني وبينك أنت يا محمد تقول أمتي أمتي وأنا أقول رحمتي رحمتي اشفع في من شئت تشفع، أليس هذا ريحان ورياحين الرضا.
ألم يرضى الله تعالى سيدنا آدم أن من عليه بالعفو والمغفرة، ألم يرضي الله تعالى ستنا مريم بأن أنطق لها المسيح فى المهد ليبرأها مما لصق بها من فريات وشبه أمام قومها، ألم يرضيها ويرزقها من حيث لا تحتسب، قالت هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب رأس الأمر الرضا.
ثم سيدنا إبراهيم ألم يرضيه في نجاة إبنه، وفي نجاته من النار، وعظمة الرضا، واتخذ الله إبراهيم خليلا.
ألم يرضي سيدنا نوح بنجاته من القوم الظالمين وسيدنا يونس الذي إلتقمه الحوت، فكان من المسبحين فرضاه الله وعطل الأسباب وتوقفت حركات المعدة والأمعاء وتمغص الحوت فنبذه من بطنه، أليس هذا رضا، وسيدنا زكريا وامرأته العقيم، قالت ألد وأنا عجوز عقيم وهذا بعلي شيخا فرضاها الله بيحيي سيدا وحصورا ونبيا من المرسلين، وسيدنا يعقوب وذهاب بصره حزنا على فلذة كبده ورد الغائب إليه، أليس هذا رضى، وسيدنا موسى ومعجزاته ونجاته من فرعون، وإهلاكه لفرعون أليس هذا رضا وسيدنا أيوب ومرضه العضال، رب إني مسني الشيطان بنصب وعذاب ويأتيه الفرج بالرضا، اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب، شراب دواء وترياق شاف أشرب وارتوي، وأصلحنا له زوجه أليس هذا رضا، وابنة شعيب عندما أرضاها الله تعالى، يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوى الأمين وقع في قلبها حب موسى عليه السلام فأعطاها الله وراضاها..
فالرضا فضيلة بل هي تاج الفضائل، لماذا لأنك إذا كنت عفيفا فسترضى، إن كنت شجاعا ونصرت الضعيف فسترضى، إن كنت ذا منصب وعدلت وأقمت العدل فسترضى، إن كنت حكيما واستخدمت حكمتك باستبصار واسترشاد ونصحت فسترضى، إن كنت مجتهدا فقيها وأصبت في اجتهاداتك وأفدت الأمة فسترضى.
سقراط الحكيم اليوناني حدثنا عن فضيلة الرضا قائلا هي قناعة النفس بما قدر لها وما كتب عليها فلا جزع ولا ضجر، وهكذا سائر الفلاسفة تحدثوا كل على فكره وعلى توجهه ومذهبه الذي أسس عليه.
المهم في هذا الأمر أن الإنسان عجولا، خلق الإنسان من عجل، دوما مستعجل متسرع إذا تأخر عنه أمر جزع وأصيب بالضيق والقنوت وولى وجهه عبوسا عابسا قائلا لماذا يارب أعطيت فلان، وانجزت عمل فلان وأنا الذي أعبدك وأصلي وأقوم بكل ما أمرتني به تؤخر عنا، لا يا أخي الحبيب، حبيبك النبي لن بغضب وانما قال لك العتبى حتى ترضى، ربما يؤخر مسألتك لحكمة يعلمها هو تعالى وأنت لا تعلمها، يهيئك لتحمل المسؤولية، أو يختبرك وهذا الإختبار ليرى صبرك على البلاء، لكن لا ينساك فأنت تنسى والله لا ينسى.
حقا ولسوف يعطيك ربك فترضى فليس ثم رب يعطي إلا الله الواحد القهار.
فأرض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس ولا تقل لماذا هذا معه وأنا ليس معى، لماذا معه كذا وكذا وأنا ليس معى شيئ، قد يكون ما عندك أفضل مما عنده، قد يكون عنده المال، لكن لا يستطيع أن يتمتع به، وعندك الصحة فإذا ما خيرت بينهما أعتقد أن أي إنسان عاقل عقول متعقل سيختار الصحة.
فلا تنظر إلى ما هو فوقك ولكن أنظر إلي من هو دونك، لتقل الحمد لله على عطاياه.
لكن ليست هذه دعوة إلي التواكل وعدم السعي، فلتجتهدوا وتثابروا وتكافحوا، فكتبت الإجابة لمن أدمن الطرق، وحقيق على رب السموات والأرض أن يعطينا من عطاياه.

#أستاذ الفلسفة الإسلامية بآداب حلوان.